Archive for the ‘ قصص قصيرة ’ Category

وفي رحلتي أشياء . . ~


وفي رحلتي أشياء

عبدالرحمن دلول

وفي رحلتي أشياء

(1)

جَلست فِي مُقدمة مَقاعد الإنتظار فِي المَطار، حَيث الأجواء المغايرة لطبيعة فصل الصيف بِالداخل، مُتجمدة! شعرت كأنما الجدران ترتجف وتتقارب حُجَراتها مِن بعضها وهي تلتحف غطاءها الأبيض المزركش بالخطوط السَوداء عله يخفف مِن حدة وقسوة البرد، حتى خيّل لي أنها تغني:

“يا ليل الحبيب طوِّل”
“يا برد الشتا حوّل”.

الأجوَاء الخاملة المَلئية بالتثاؤب، “وتشرنق” الأجسَاد بِداخل نفسها وملابسها من التقشعر، تغيير الأكفة إلى اللونِ الأزرقْ، القوَانين وإجرَاءات الأمن المُبالغ فِيها، وفحص الأيادي بشكل هستيري بقماشة بيضاء مَربوطة في نهايات عَصاة بلاستيكية زرقاء في يد مُوظف الأمن، جُلها يربك حتى ولو لم تكن تصحب معك جنحة وأنت تسافر.

أحادِث نفسي برهة، ألا من شخص أحَادثه ويحادثني، عَل كلماتنا ومَواضيعنا تلتقي بلا ميعادْ بقواسِم مشتركةٍ فـ تكشفُ عَنا بَرد عَتباتِ المَطار ومَقاعده البلاستِيكية الزرقَاء الكَئيبة هَذه. لطالمَا سَافرت خِلال مَرحلة دِراستي الجامعية، وكانَ في الطائرة (أطنان) مِن الأشخاص المُحتملين ليكونوا رُفقاء حَديثِ السَفر، أما هنا، فلا أكاد أجد!!.

كادتْ تِلك المُتجاورات تَخنقني، لوْلا لطفُ أنفاسٍ هبتْ مِن “الجوال” وقدْ أورَدت إلى صَدري شيئاً من الدِفء عَبر دَفعاتِ أنفَاس مُتتالية مِن الهَواء والنصُوص التي تدعو لي فيها والدَتي “بِالسلامة”.

فجأة، انبعث (الصوت العنيف ذا الذكرَيات المُربكة) ~ لطالمَا كرهت ذاك الصوت، الصوت الأنثوي المُعتاد الذي يَتبع جَرس التنبيه فِي المَطار – Attention please! – يُرجى الإنتباه، الرَجاء مِن السَادة المسَافرين إلى مَطار هِيثرو، سُرعة التوجه إلى البوابة رَقم (خمسَة) … لولا أنهَا طائرتِي لمَا لبيتُ ذاكَ النِداء، أمقتها بحق! . . حَملت حَقائبي وتوجهتُ إلى خُرطوم المَمر المُفضي إلى الطائِرة – “وشْ رقمَك يا الأخو؟”، C22 مِن هنا لو تكرمت!.

رائع! عِند النَافذة، وبجَانبي مقعَد واحد فقط، كَان ترتِيب الكراسِي عَلى النحُو 2،3،2 حَقاً رَائع، حَسناً، أممم .. مَن سيكون رَفيقي فِي رحلة السِتة سَاعات هَذه، أتمَنى أنْ يكونَ شَخصاً يُجيد الكلام، أو يَكون صاحب حَديث شَيق، يَملأ وقتي بِما يُفيد ويشرَع فِي أفكار أو إضاءات تُنيرني بِطريقة أو بأخرَى.

(2)

فتَاة! شعرٌ مُجعد، فِي عَقدها الثالث/:

كَيف لي أنْ أتبَادل أطرَاف “الحَكي” بِحُرية الآن . . لا حولَ ولا قُوة إلا بالله، وقَفتُ كـ “الفزاعة” أو كصنم فجأة، شككتُ أن أكون صنماً حقاً، حَتى كسرتْ جُمودي نظرةً مني للخلفِ، بشكلٍ يَلفت الإنتِباه!! لا أكترِث! عَلني أرى مَجالاً آخراً، أو مَكان شخصٍ تَعذر عَن القدوم، سَأضحي بِمقعد النافِذة اللعين، لكننَي لنْ أجلسَ طيلة المُدة بجانب تلك الفتاة! وصَامتاً لا أتكلم أيضاً !.

لا شَواغِر، الرُكاب كَأسنان مِشط عَلقت فِيه بَقايا شعرات سوداء مجعدةْ، أتلك عَلامة سيئة، أو حَظ عاثر، تمالكتُ نفسي، وعدت لخط سير ما كنْتُ أفكِر فيه . . الطائِرة مُمتلئة! تبَاً، جَلست ووضعت سَماعات الرأس، وكأرنبٍ لذتُ إلى جُحري وكتفتُ يَداي وصَمَتُ! ليناديني صَوتٌ بداخلي فَجأة، وكأنه يتمرَغ فَوقَ أرضِ خوالجي ضَاحكاً! وماذا إنْ أردت إستخدام الحَمام يَا مِسكين!! حقاً،،، يَا إلهي سِتة سَاعات تقريباً، لا بد أنني سَأحتاج فِيها إلى الحَمام، لا بد! تباً للحَجز، تبَاً للطائِرة، تباً لمِقعد النافِذة.

 

حَلقت الطائرة، وتلحَفت الفتاة بجانبيْ بالغِطاء كـ إحدى شرنَقات المَطار وغَفت فِي نومٍ تحول إلى قيلولة ثم سبات طويل. عَبثاً أحاول تعبِئة وقتي، الشَاشة، الأفلامْ، المُصحف، النافذة القمِيئة، لمْ يُخرجني مِن وَجبة العَبث تِلك إلا بُرودة الطائِرة! ما خطبُ البُرودة مَعي! هَل تعرِفني؟! أم أنها تَحقد عَلي بِسبب تلك الأفكار – أفكاري، يَقولون أن الأفكار تَتصل بِالأجواء، حره وبرده؟ لا أدرِي لكنه يَنهش فِي جسَدي!! لم أحسِن إختيار المَلابس الثقيلة حتى، بدت رحلتي جميلة من بدايتها، وسَاءت الآن، تَباً أخرى أزيدها إلى أخواتها “التبانات” السابقات.

طلبتُ غطاءاً آخراً عَله يَدرء عَني بَعض تلك النسَمات القارصَة، إلا أنهُ عبثاً يَقف أمَام قضمَات البَرد الجَامدة، التي وجَدت مَداخلها وولجَت تحت الغِطاء مِن محاذاتِ المَسند، مِن جَوانب النافذة، مِن خلف مسنَد ظهرِي، لم أحسن أيضاً أمنَعها مِن ذلك. :/

(3)

لمْ أدري كَيف انقضتْ السَاعات، غفوتُ عِدة مَرات، وإستَيقظت فَوق تُركيا وفوقَ ألمَانيا، رأيت الخُضرة والبُحيرات بِصعوبة، فالغيُوم المُنتشرة شكلت عَائقاً مُتعلقاً عَلى أطرافِ العَين وقولَب النَافذة البيضاوِي! وصَلت وجبَتي، لمْ أعطها وقتاً لتستقر على منضدتي حَتى أفرَغتها، غفوت مَرة أخرَى، كُنت أتمنى أن يَكون الطقسُ في “هيثرو” أكثرَ دفئاً.

أيقظتني بعض المَطبات الجَوية عِدة مَرات، أنظر بإتجاه أوكرانيا بلا سابِق نية وقد أصاب ذهني فراغ النائم المُستَيقظ، أحدث نفسي؟ أخشى صَاروخاً غادراً كَذاك، نعم! كالذي أصَاب الطائِرة قَبل أسبوع، عَلنا لا نحلق فَوقها! يا إلهي، ماذا أقول؟ أألطم وجهي لأستيقظ، أم أقرصني من الكتف!؟ تَكفي تِلك المَطبات التي تطرِب أركَان الطائِرة وتضرِبها ككرةٍ مُعلقة بـ قدم لاعِب، لا تنفك عَنه حتى تعود إليه ليركلها من جَديد.

إقتربَت الطائِرة مِن الأرضْ، بَدت مَلامح لندَن تَظهر للعَيان قلِيلاً، طواحين القمْح المُنتشرة في كل مَكان، تلف مَراوحها بِشكل جَميل مُتناسق، وتزِيد الأعشاب وَالأشجار الضخمة الصُورة جَمالاً ورَونقاً، نَسيت أمرَ البُرودة، فلندن آخاذة مِن الأعلى!.

هبطت الطائرة هبوطاً موفقاً، جَفلت بعده لضَخامة مبنى المَطار حِين خرجتُ من الطائِرة، وقد صادق الواقع مقولتِي أن حجمه كبيرْ! فقد تنقلت بين المباني وعبرت أنفاقاً بالحافلة لأصل إلى طائرتي الأخرى التي ستقلني إلى الولايات، أجَل لم تنتهي رحلتي إلى هُنا، بل كانت في بِدايتها، لكنني لمْ أرى خَارج المَطار إلا الضَباب، ثم الضبَاب فحسب!.

(4)

سِحت فِي المَطار قليلاً، هَارولدز، ستاربكسْ، والمقاهي المتعددة بـ أصنَاف الطعَام والشطائر، جَلست على معقدٍ ينتصِف رُدهة الإنتِظار، نَظرت فِي كُل الإتجاهات حَولي، شعبٌ يحبُ التثاؤب، شعبٌ لا يَكترث بِما يرتدي من ملابسْ، رُقعتين مِن قماش، أو رقعَة واحدة تمتد من الأعلى تَكفي، رجالهم مُعظمهم كِبار السِن، أسنَانهم “كرَاكي” مُتفرقة بَارزة، تَكاد تَكون عَلامة دَلاليلة مُميزة عَلى كَون الشخص المَاثل أمامَك (بريطانياً).

لا حُدود لديهِم! يُقبلونَ بعضَهم أمام أطفالِهم بِقبلات لاذِعة للحياءِ تثيرُ القرفْ، تَغرهم أنفسهم، لا يَبتسمون كَثيراً، وما أنْ تطلب مُساعدة مِن أحدهم، يَرد عليك بِأسلوب “جَلف” جَاف “it’s there, read the signs”. طالت مُدة الإنتِظار، وَزادت مَواقف إثارة القرَف التي تتوارد عَلى إطار مشاهدة عَيني وبَصري، فآثرت المشي.

تنقلتُ قليلاً فِي الرُدهة لأجدَ مَمراً طوِيلاً كُتب عَلى لافتة فِي أعلَاه “غُرفة الدِيانات!” تبعتهَا، فقد أثارتْ فُضولي تساؤلاً عما فيها! وما أن وَصلت إليها، إذا بي أجدُ مِنبراً عَليه الأنجيل، ثم عَلى رفٍ جانبي بَدت سُجادات الصَلاة المتجلية وبعض المصَاحف، وهناك مَقاعد كما فِي الجامعة في زاوية أخرى تنتظر خطبة ما! تَفصل بَين هَذه وتِلك سَتائر مُعلقة ومتدلية نحو الأرضْ.

الغُرفة خَالية إلا مِن رجلٍ في الأربعينيات يَقرأ القرآن ويَستغل نَهارَ رمضَان، جَلست هُناك أشاهدهُ بعد قصر وجمع! خيًلت لي رَائحة بخورٍ تَنبعث مِن إحدى زوايا الغرفَة التي أعجِبتني فكرتها حقاً، وأكثر من ذلك، فكرة رَجلٍ مُسلم واحِد هوُ من يشغلها السَاعة. عُدت إلى البَهو ثم المَمر فَالردهة إلى مَمر البَوابات، فالطائِرة.

(5)

رُكاب طَائرة الوِلايات بَشوشي الوجوه، سعيدة، لا تَجعدات فِيها ولا تَكلف بسمة، أريَحية التعامل كانَت السِمة الظاهِرة فِي حَديثي مَع أحدِهم، صَعدت إلى الطائِرة، تَوجهت إلى مِقعدي، الجَميع يَبتسم بِصدق، عَلى الأقل هذا مَا بَدى لي! نَظرت إلى مقعدي من بُعد، أشعُر بنعاسٍ شديد، وَقد كانت بُرودة الطائِرة تزداد كلمَا إتجهتُ نحوَ مؤخِرتها، وددتُ لو أننِي أحتضن قطاً شركسياً أبيضاً ذا فروٍ كثِيف يُدفئني الساعة، وأحاول نِسيان فِكرة كرهي للقِطط هذه اللحْظة على الأقل. إلا أن هذان الأمران (البرد والنعاس) لم يُثنيني عَن ترقب زَميل رِحلتي فِي المِقعد، لا أنكِر أنَ فِكرة مِقعد النافِذة بَات أمراً بَغيضاً بالنسبة لي إلى حدٍ مَا وكدت أنْ أسرِب علىْ لساني شتيمة تلحَقه، إلا أنني تَمالكت نفسِي لأنظر لذاك المُسافر الذي قدرَ لي أنْ أركب بِجانبه قَبلاً في رحلة التسعة سَاعات تلكْ. بَدى كَشخص غَربي إعتِيادي، عَينان مُلونتان وشَعر أشقر مُجعد، إلا أن المَلامح قريبة لأن تكون أوروبية – تركية.

جَلست بِجانبه وأخبَرته أني سأكونُ زميله في المقعد، فـ رَحب بِي كأحسن مَا يَكون الترحِيب وجَلست بِعينين نَاعستين، وبَدأ الحديث: التارِيخ، الحَضارات، الأمَم، الِدين! الدِين، كان هذا المَوضوع السيد السَائد. فِي لحظات، ظننتهُ “مونك”، كَاهن، مُبشر! يرتدي البنطال تمويهاً، لا أدري، إلا أنهُ بالغ في الحديث عن مريم “عليها السلام” وكيف أن المسيح قال وتحدث، وكيف أنه قال أعبدوني أنا من دون الخالق! – والعياذ بالله – وطال الحديث كثيراً، كظمت غيظي غصباً وتصنعت الحديث بإبتسامة، لأرى كلامه وأسمع خطابه وأدعوه بشكل مبطن في كلماتي وأطعن في معتقداته بالمنطق، عله يسلم – لكنه أبى، أو ربما هو يتفكَر فِي ذلك الآن !. لم أشعر بالرحلة، إندمجت كثيراً في الحَديث، إلى أن قاطعته المضيفة بوجبة خفيفة، “البيتزا” سألت: ولمَ “بيتزا؟”، أخبرني: “جت لاق” الرحلات الطويلة، والساعة البيولوجية، وكيف أن الجِسم يَشعر كانما مَغصاً إعتراه فِي وقته والنشوِيات تسَاعد عَلى إعَادة المَوازين إلى مَجراها، فكان هذا الأمْر بِمثابة مَوضوع آخر تعَرضنا فيه.

هبَطت الطائِرة، ظهَرت الأشجَار الخضراء المرتفعة، والأغصَان الجَميلة، البُحيرات المُنتشرة، مَراوح الطاقة، اللونُ الأخضَر، أخضَر أخضَر، كل شيءٍ لهُ لونه الحقيقي! لأول مرة أشعُر أنَ عَيني وكأنما هِي بنظام الـ “فل إتش دي”، كاَميرا “كانون”، 50000 bit لا أدرِي، جَميل فَحسب، حَدثتني نفسي: فِي بلادنا أبيَض، أسوَد، بُني، بُني، بُني، بُني، أزرَق مُخضر، أمَا هُنا فجلهَا ألوان PAL نظام تحدِيث ألوَان، رائع !.

هذا ما في جعبتي مما خص هَذا الأمر، مُختصر بَهي، أصَابه بَعض ما أصَابني مِن سِحر بلادهم فصمتْ. ربما أورد صوَراً لاحقاً.

 

تمــــت . . !

Advertisements

الفطور الأخيـــر . .


الفطور الأخيـــر . .

عبدالرحمن دلول

الفطور الأخير

 

لربما تكون هذهِ القصة قد ورَدت على لسان بعضِ الشهود، أو يلقى وحيها بداخِل أحرفِ راويها الشعور الإنسَاني المتبادل أو ما تبقى منه! ذلكَ عندما كانت تجلس معَهم في في غرفة المعيشة في منزلهُم ذا الطوابق الأربعة، وكَانت تناديهم ليجتمعوا لتناول الفطوُر، فلم يكن يتبقى لأذان المغرب إلا القليل، كان صوت القصفِ والحجارة المتناثرة كقُنفذ الماء قد غطى على كل الأصوَات بل ولا بد قد كان لهُ تأثيرٌ يذبذب سماع صوتُ المؤذن بوضُوح ويشتته في الفَراغ المُغبَر.

وضعت صحناً كبيراً به خَمسة بيضات وبَعض فُتات الخبز قائلةً لهم أن هذا ما تبقى مُنذ ثالث أيام الحربِ، أخبرها زوجها حِينها أن ترفع ثَلاثة من البيضات لفطورِ الغد وسط نَظراتِ أبناءه الحزِينة! وما هي إلا أن قامت وتوجهَت نحو مطبخهم، حتى بَدأ القصف يُدوي في أرجاء “الحيْ” وقد ضربت القذِيفة المنزِل المقابل لهم، أسرَعت إلى نافذة المطبخ ونظرت بهَلع، “دار أبو محمد قصفت”، هلعَ زوجها إليها مسرعاً ويشير بيديه لها أنْ تبتعد عن النَافذة، ليجد أن إحدى شظايا تلكَ القذيفة قد إستقرت في حَلقها كأنما هي الفطور الذي خُصص لها ذلك اليوم، لفظَت أنفاسها الأخيرة وهي تُمسك ييديهْ بقوة وتقول “أخرج الأولاد، أخـ …”.

جن جنون الزوج، وأسرَع إلى غُرفة المعيشة ليجد أن جدرانها قد تحطمت وسَقطت على سُفرة الطعام فوق أبناءه الأربعة، وقد كانَ أقربهم إليه يَده إبنته أسماء، ركض إليها مسرعاً فيْ تلك الغرفة التي لمْ تكن إلا أشباراً معدودة، وصرخ عدة مَرات مدوية منادياً، غَير أن أبناءه لم يُجيبوه، وجد أسماء تئِن بجانب طرف السُفرة الظاهر من تحت الركام، حاول رَفع صخور السقف عَنها لكنه لم يستطع، كرر المُحاولة وبَدأت عضلات ساعدهُ بالنتوء، لم يستطع أيضاً! حاول سَحبها، فقالت “آآه .. يا والدي قَدمي محشورة”، لم تكن تَعلم بوفاة ولدتها ولا إخوتهَا، قد كانت في تلك السنة قد دَخلت في ربيعها الثالثْ.

سحبها بعد أن تدَفق الأدرينالين في جسدهِ كله وبدأ الصراخ كأنه لا يُحسن يتلفظ بغيره، الدمُوع تكسر صفحة خديه المكسوة بِقليل الشعر والغبار ودماء زَوجته، سحبها ولمْ يدرك آخر حروفَها التي تتعلق بـ قدمها، حتى خرجت كُلها من شدة سَحبهِ لها من تحت الركام إلا قدمهَا! قد بترت وتشجنجت نظراتهُ بإتجاهها، لم يقوى على عمَل شيء إلا العويل القاتل بداخلهِ حتى لا يخيفهَا، يتَرامى إلى أسماعه صوت القصفِ والصراخ من الطريق في الأسفَل، الغبار وترامي الصخُور وتحطم الزجاج، وكلمة “ماتْ، مَات، أنقذوا من على قَيد الحياة !!”، لم يكترث لذلك، فقد سُلب منظر أسماء كُل حواسه السمعية والبصرِية.

نزفت أسماء وفَقدت الوعي مراراً، وهو يُناشد ويدعو الله، يصرخ “لا، لااا،لاااا” ولا من مجيب يسمَعه، حملها بين يديه، نزل منْ أعلى الدرج، وما أن فتح بَاب منزله حتى وجد أن القذائِف تتساقط على من يركضونَ في الطريق وتحُولهم إلى أشلاء متطايرة! – كأن الإستهدافْ بات على الأشخاص لا على المَساكن والبيوت – جحظت عينا، آثرَ العودة إلى داخل منزله والتستر تَحت أقوى عوارض المَنزل، فإختار له القدر “الدرج الحجَري” مظنة قوتهِ، وما هِي إلا لحظات حتى قصف المنزل الذي بجواره وتَرامت فوقه الصخور التي بناها بعرقِ جبينهِ قبل عامين! هاهو يهويْ عليهِ الآن.

نَظرت إليه أسماء بعين واحدة شبه مغلقة “لا تترُكني أبِي، لا . . أخبر أمي أنني لم أفطر اليوم رغم جوعي، لانني وَعَدتها، كنت أود إخبارها بعد إفطارنا لكـ . . .”، خفض صَوتها تدرجاً نحو الصمت وهو واجم قد جمدت الدموع فيْ عينه، حتى أغمضت عينها للمرة الأخيرة، صرخ بأعَلى صوته “لاااا . . لاااا، ل…” لكن القصف وشدته لم تُمكن أحداً من سماعه حتى هَال فوق رأسه بقية السقف، وأصبح صريعاً مجندلاً، تُحيطه الدماء، وإرتفع في حينها صوتُ المؤذنْ لآذان المغرِب.

،

رحمة الله على الشهداء . . في سبيلك وسبيل مرضاتك، لرفع كلمتكَ يا الله، في حين يصمت الجميع مشدوهاً لما يرى، لا تزال ألسنتنا تلهج بالدعاء، اللهم نصركَ الذي وعدت وإنك القائل أدعوني أسجب لكم، وما منك إلا أن تقول “كـن” فيكونُ بإذنك . .
أدام الله الإستقرار في جميع بلاد المسلمين وحواضِرهم . .

اللهم إجعل فطورهم عندك وفي ضيافتك، وأغنهم عن الدنيا وما حوت ~
ولا حول ولا قوة إلا بالله . .

في ذكرى مجزرة الشجاعية في غزة
يوليو 2014

قصآصآت صفـــرآء.. ~


قصآصــــَــآت صفــــرآء

Abdalrahman Dalloul – عبدالرحمن دلول

(1)

عبدالرحمن دلول Abdalrahman Dalloul

الضجر

لا يَود فِعل شيءٍ هَذا الصَباح،

فأذناه تحاولان الإستماع بعمق لصَوت الضَجر الصَاخِب الذي ملأ أركان جسده النحيل ليجذبه إلى إنحناءاته، كراقصة ترفع يدها وتتمايل برسغها يميناً وشمالاً، ثم تنظر في عينيه من بين أصابعها المتموجة، تحاول إغراءه بكافة الطرق كي تبقيه حاضراً يشاهدها، بعدها تنتهز الفرصة وتطعنه …

… كفـــــــــــى !!

أستغفر الله .. أستغفر الله العظيم ..

صباحكم استغفآر

(2)

عبدالرحمن دلول

الوجل

كُنت ألهُو بِها كَطفل صَغير،

أطلقها فِي جَوِ روُحي بسَعادة، أوجِهُهَا فتطيعُني مَرات، وتعْصِيني فِي بعضِها فتذهب حَيث أرَادت، لكن لا بَأس فهِي فِي يدّي أمسِكها بِقوة كيْ لا تنفلت مِني إلىْ الفضاء، أو إلىْ العَدم إلى حَيث لا أدري، تسْمح للهَواء أنْ يُداعب خُصلاتها فأشعُر بالِغيرة !! فهو يُلامس بَشرتها أكثر مِني؟ إلا انني أملِك أمرَها، فإنْ أردتُ أنْ أحتضِنها، أجرّها إليّ فلا تَردني، وأحِيطها بِكلتا يَدي فتنصَاع لرَغبتي، وَأكحل بِها عَيني عَن قُرب ولنْ يَملك الهَواء أيْ قوة ليَمنعني مِن ذلك، فَهِي لي!! وها أنا أطلقها من جديد إلى أبعد مما فعلت سابقاً، لتعَلم أني أملك أمـ .. ـر رهـ ….،

أ…أ أأذاك إعصارٌ قادم؟

(3)

عبدالرحمن دلول

ألحرب

بَكت وبَكت وحَآكت بدُموعها خرقْة مَأسآتها،

فقدتْ عَزيزها الغَالي فِي تِلك الحَرب اللعِينة، لمْ يكن مِن أمرِه إلا رَغيف الخُبز الذيْ كَان يُحضره إلى قصَي عَادةً، لمْ يَدري أنْ سِعره أصَبح أغلى مِما فِي المَرآت السَابقة!! رُوحه، جَسده وَأنفاسٌ أخرى كَان قد إجتَرحهَا فِي حَق أوكسِجين هَذا العَآلم الخَانق. بِحرقة تُعلق الخرْقة عَلى جِدار التارِيخ المتَصدعْ، عَل عَابراً لهُ ضَمير يَرآها، فِإن أحَداً لا يَعرف قِصتها فِي الجِهة الغَربية حَيث تَسكن أمَهات قصيّ أخرَيات.

لله دُر الأمهآت الثَكآلى، الأرآمل .. والأيتَام فِي تِلك النَواحِي القرِيبة البَعيدة !

(4)

عبدالرحمن دلول

الفرصة

هَل قطِعَت الكهْرَباء أم هُو مَن أغلق الأنور؟..

وهُو يتذكر آخِر لِقاء بَينهما تحتَ عَامود الإنارَة عِند الناصِية، أخبرته حِينها أنهَا لا تستَطيع أن تَعيش مَعه، كانت هَذه أخر جُملة تضْرب طَبلة أذنه مَع رنة سُقوط الخَاتم عَلى الرَصيف الحَجري. هُو الآن يَجلس وَحيداً عَلى الأريكة، والمِذياع يَنفث أكثر المُوسيقى حُزناً!. إستَمع لهَا طِيلة الليل حَتى تخثر جَسَده، وإختمر مِنها!!
قرَر الذهَاب إلى دَورة المياه، أخَذ شفرة الحِلاقة مِن دُولاب المُنظفات، جَلس واقفاً عَلى ركبتيه، جَذب يَده بعُنف نحْو صَدره، وَأغلق كفهُ برِفق!! وَضع الشفرَة عَلى بِداية رِسغه، أغمض عَينيه بقوةٍ، وبَدأ بِقطع شِريان الحَياة إلىَ نهآيتهِ! فتح عَيناً واحدةً تنظر بوجلٍ إلى القطعْ  .. ما هذا؟!
أتلك نوتات موسيقية تخرج من الجرح؟!! …. أين الدمآء؟!

إستيقظ فزعاً عن الأريكة ..!

(5)

عبدالرحمن دلول

الصدمة

لوَهلة، كانَ يَروقه الأسوَد الذي ترتَدِيه،

فعَمها كان العَقبة الوَحِيدة التي تَقف فِي طَريق زَواجِهم، كان يَنظر لهاَ وَهِي غاَرقة في دُموعِها مِن بين رُؤوس الحَاضرين فِي باَحة منزلهم الكبيرَة ويسترِق بعَض النظراتِ الأخرى مِن خلفِ أهدَابهِ الكثيفة الدَامعة. لقد مَنى نفسَهُ كثيراً، فتلكَ بِداية الطرِيق التي كان يُريدها، وَقد كانَ يتخيَل تلك الوُجوة سَعيدة وتقدم له التهَاني بِمناسبة زَواجه، فيُداري ثغرهُ ويبتسمْ!
لمْ يوقف مُناجاته إلا صَوت سُقوطها عَلى الأرض مُفارقةً للحَياة، وعِبارة لا حَول وَلا قوة إلا بالله عَلى ألسُن الحَاضرين، لقد كانتْ تُحبه أكثر مِما كَان يَتخيل.

تَماماً كبقيةِ الحَاضرين، قدَم وَاجب العزاءِ وانصَرف!.

(6)

عبدالرحمن دلول

القوة

أقفلتْ سَماعة الهَاتف بشِدة كَادت تكسِره،

أخبَرها أنْ الحَياة لا بُد وأن تمضِي بهمَا مَعاً أو مُفترقين! لازَمتها تِلك الجُملة حَتى مَسَاء ذلك اليَوم، تُحلل فِي حُروفِها ومَعانِيها وَلا تَخرجُ إلا بنتِيجة واحِدة، الفرَاق!
جَلس عَلى المِقعد الأول فِي قاعةِ الدِراسة عَلى غير عَادة جُلوسه مَعها عَلى الأخِير، بَينما جَلست هِي مُواجهةً لهُ، تَرمقه بِنظراتٍ حَارقة تَخترق ضُلوعه وَقلبه وَتصِل إلىْ أورِدته قَبل عَينيه اللامِعتين. تظاهَر بِعدم الإكتِراث وَأخذ يَبتسم وهُو يُحادث “سُعاد” بِجانبه، يَشعر بَنشوة القوَة كَونه الرَجل. تحَاملت حِقدها بِثبات مفتَعلْ وَتوجهت إليْهمَا، وانحَنت بإتجَاهه وألقت عَليه تِلك الوَرقة الصَفراء ثمَ نظرَت شزَراً ومَضت، فتحَها وقرأ فيها!! احمَرت وجنَتيه غضَباً وخَوفاً مُناجِياً نَفسهُ:
“تباً لضَعفِكن حِين يَقتل!”

(7)

عبدالرحمن دلول

ضعـــة

مَرت سَنة عَلى زواجِها مِن عَمّار،

لطَالما كانَ خالدٌ هُو الرَجل الأوَل فِي حَياتها طِيلة ثلاثة سَنوات مَليئة بالعُهود والمَواثيق المُغلظة، إلا أن رَغبة أمها بِزواجها مِن طبِيب غَني كَانت أطوَل، فقَد زَارهُم فِي نِيسان المَاضي هُو ووالدتهُ ليطلبُوها، ورُبما تَمنعت قليلاً وَفاءً لِخالد، إلا أنْ مُلاحظتها لإنكبابِ بَنات الجِيران مِن شرُفآت مَنازلهم ليروا ذلك الخاطِب الفُرصة، لمْ يكن ليَجعلها تتصَرف إلا كَالمراهقات بِالتمسُك بما هُو مَطلوب، ليسَ رغبَة فِيه بَل بسَبب رَغبة الآخرين بِه.
ثَارت بِداخلها سَعادة التملك وَالنصر بَعد أنْ حَظيت بِه، فلم تَكن حَياتها مَعه إلا رَغداً أنسَاها خَالد الذي ظل يُناجي نَفسه ليْلاً ويُخاطب بقهرٍ سَقف غرفَته وحِيداً:

لا حُب يَعلو فوقَ صَوت المصْلحَة!

(8)

عبدالرحمن دلول

النصيب

مَضى عَلى تقديمهِ لتِلك الوَظيفة سَنتين،

يَئس بَعدها مِن جَميع مَا حققه، شِهادته الجَامِعية ودِراستهِ فيهَا لسِتة سَنوات طويلَة، المَشاريعُ والوَاجبات والتدريبَات المَيدانِية والعُروض التقديمِية التي أرْهقت تَفكيرهُ ووقتَه، وبَعد هَذا كُله لمْ يحصل عَلى الوَظيفة التي لطالمَا حَلمَ بها.

كَان يَجلس عَادة عَلى الإنترنِت فِي كلِ صَبيحةٍ تُوافق جُلوس مُوظفي الموَارد البَشرية عَلى مَكاتبهم، يَبعثُ بسِيرته الذَتية، وفِي بَعض المَرات يَخرجُ مُبكراً لا ليُسلمها باليد إليْهم فحَسْب، بل لظنِه يُقابل مُديراً مَا يطلبه فِي قسمهِ، أو شَخصاً لرُبما قدرهُ الله لهُ ليقابله فِي إحدَى ممَرات المُستشفى ويَدله عَلى الخيْر.

يَعمل الآنْ فِي كبرَى المُستشفيات فِي الدوُلة بَواباً، وقدْ عَلق بِروازاً فِيه شِهادته الجَامعية على الجِدار الحَديدي فِي غُرفته التي تهتَز طَرباً كُلما مَرت سَيارة الطبِيب مُعتَز مِن أمامها، ذاكَ الذي تَخرج قبْل عِدة أسَابيع فقط مِن الجَامعة.

ويُوقِف شَتيمة تَكاد أنْ تنزلق يَومِياً عَن لسَانه ببَسمَةٍ !.

ويتسَائل في نفسهِ .. أوآسِطة أم نَصِيب؟!

(9)

عبدالرحمن دلول

الأدب

وتِلكَ هِي أخلاقُ المَشرقّي الحَميْدة.

هَكذا أنْهَى رِوايته الأدَبية التِي بَدأ تَسطيرهَا مُنذ عامينْ مُتمنياً عَالمِيتها، ليَنشر للعَالم مَن هِي أمَته وحَضارتهَا التْي غَطت عَلى جَميع الحَضارات فِي زمنٍ مَا، ولمْ ينسَ توجِيه كَلمة كَذلك لأبنَاء جِلدته، يَدعوهم للرُجوع والتَحلي بِالصفات الحَسنة التِي يَدعو لهَا دينهمُ الحَميد مشبعاً الرِواية منْها.

قدم رِوايته فِي عِدة مَحافل دَولية لتَحصل عَلى جَائِزة مَا، ليُوسع بَعدهَا نِطاق النَشر، ويُرشد الجَاهل بِأمتهِ وحَقيقة تِلك الشُعوب المُتوسطة للعَالم. نَالت إعجَاب المَسؤوليْن وأصحَاب دُور النشرِ المَحليين، إلا أن مُختصي النَشر العَالمي، أصْحَاب الكلمةِ الأخِيرة لإعتِبار رِواية عَالمية أمْ لا، رَفضوهَا قَطعاً، وألقت مُفوضتهم بالنسْخة الأوَلية الوَحيدة خَارج مَكتب المُوافقات.

وضَعَ كَفيْه عَلى وَجهِه، يَنظر مِن بَين أصَابعه بِحسْرة إلىْ الأورَاق المُتفرقة وقدْ تَسرب بَعضُها مِن نَواجد مِلقط التثبيتْ، فِي ذات الوَقت الذي دَخلت فِيه تلك الشقرَاء الثلاثِينية، التي مَكثت بِكتابة رِوايتها عِدة أسَابيعْ، قدَمتها للمُفوضة التْي وَافقت عَلى عَالميتها بِمجرد النظرِ إلى العنوَان، إسْتمع إلى عِبارة المُوافقة فإنتصَب، ونَظر إلى البَاب وقد خرج مِنه أحَدهم:
مَاذا فِي الرواية؟ أجَابه: لم تُشاهدها المُفوضة بَل قرأتْ عِنوانها. فتسَائل بِعجَب! ومَا هو، أجابه:

مدينة الرذيلة !.

(10)

عبدالرحمن دلول

الصبر !.

فِي مُنتصفِ الحَشد يَترنح يَمينَاً وشمَالاً،

يُحاول جَاهداً تَجَاهل الأمْر لِيتدارك نِزاعاً كَادت نَارهُ لتشبُ بَين أقدامِ المُجاورين لهُ وأجسَادهم، إجلالاً لقُدسية المَكان! يَدفعه أحَدهم إلى الأمَام بِشبه عَمد!! ويَتلقفه أخر مِن الخلف ليُزيح كتِفه إلى الآخَر، ثم تَأتي عِبارة “وَخّر” وَدفعة تلِيها مِن جَانبه الأيسَر، فَينصَاع غَصباً رغبةً لإكمَال مَا جَاء فِي طلبه، لا يُريد إفسَاده بشتِيمة أو كشرة حَاجبين فينالهُ إثم الجِدال، يزيد مِن الأمر سوءً، رَجلٌ يُحاول إلتِقاط صُورة لهُ بِمحاذاتِها فيَوقف تَقدم النَاس المتزاحمينْ بِلا مُبالاه.

أخِيراً، يَأتيه رَجلٌ مِن أمَامهِ يكبر حَجمهُ أضعَافاً، يَمشي عَرضاً بكلماتٍ أعجمية، ليَخرجَ مِن دَائرة التدَافع، بِالتدافع !، فيُخرجه مَعه!

يَدخلهاَ مَرة أخرَى بِصعوبة وهُو يُجادل خَاطره: لا حَول ولا قوة إلا بالله! لا حَول ولا قوة إلا بالله !.

يَخرج منْ الدَائرة يدعو أنْ يَناله أجرَ “المَشقة” والصَبر!.
نَسيّ الدعاءَ لأجرِ العُمرة !!

(11)

عبدالرحمن دلول

الرياء !.

يَصرخ نَاصِحاً حَشداً مِن الناسِ:

أليسَ مِنكم رَجلٌ رَشيد؟ القنوَات الفضَائية التي تُبيح المَحظور وَتعلم أبنَاءنا عَلى المُخل المَمنوع، لا تُراعي حَق أعمَارهم متناسِيين مَقولة “النقشِ عَلى الحَجر!”، إجْتنبوا الطاغُوت وَكبائر المَآثم، فلربَما تكون هِي الفتنة التيَ تدخل على البيوتْ !.

ثم فِي أبناءهِ صَارخاً مُهدداً: لا تفتحوُا عَلى قناةِ كيت! وَكيت! وإلا وَرب الكعْبة لأكسِرن رُؤوسكم وفوقها تِلفازكم !! ولزوجه: هَؤلاء لا يَستحون، ولا يَحلو لهُم بَث المسَلسلات الهَابطة إلا فِي رمَضان، وَيختارونَ أوقاتها بِعناية، وَقت الصلاة! ثم لأبناَءه: إلزَموا كلامِي وإلا سَتتطاير الرُؤوس!

ثم يَأتي بَين أقرانهِ وزمَلاءه فِي العَمل مٌشدداً: هَذا رَمضان أتى، وفِي غَيره أيْضاً، يَجب أنْ نأخذ مَأخذاً مِن هَذا المُباح الحَرام، لا بُد وأن نَقوم بِحملة أو دَعوة تُصلحُ ذواتِ مَن حَولنا .. حَولنا .. حَولنا !!

وفِي مَجلسه مَع شَباب السَمر: يَا أبا عَوض، أعَطنيْ “الرِيموت”، المُسلسل عَلى القناةِ الأولىَ أم الرابِعة؟!

ومُكبرات صَوت المسْجد المُقابل:

“صَلاة التراويح، إسْتووا !”.

(12)

عبدالرحمن دلول

التواتر

دَمعت عَينَاهُ ألمَاً عَلى تِلك الذِكرَى،

ففِي هَذا الَمَكان تمَاماً حَيثُ يَقف – بِبذلته وفيونكَته الأنِيقة – تَحت شجَرة “السِت-المِستحِية”، كَان يَجلسُ وَالده عَلى كُرسِي الحَديقة الطوِيل وَيَنظر بِاتجاه عَيني وَلده بِفخرٍ أبَوي، وقدْ كان مُستنداً عَلى رِجليهِ وَهو يَنظر إلىْ والدَه عَلى أنهُ بَطله المِغوار، سَمعهُ يَهمِس مُناجياً: “سَتكبر غَداً وَتلهيك شرُوطك الخَاصة ومَسؤولياتك الحَياتية، وَتنسى أمرَ هَذه الشجَرة وَهذا الكرسِي وَأنا”.

فَرد مُتناسياً أنْ كلام وَالدهُ كانَ مُجرد نَجوى: “لا يا أبتِ، سَأظل مَعك إلى الأبَد، لا أترُكك ولا أنسَاك”، فقال مُبتسماً: “بالطبعِ بُني” !.

واليوَم! ها هُو يَجر خَلفه أبنَاءهُ الثلاثة بَعد مُرورِ خَمس سَنواتٍ عَلى وَفاة والدهُ، الذي لمْ يَره مُنذ مَا يَزيد عَنها بِعشرة، ولمْ يَحضر دَفنه حَتى بِسبب انشِغالهُ فِي تِجارتِه، يَنظر لأبناءِه مِن خَلف رُموشه – التي بَلها دَمعهُ – مُناجياً نَفسه:

“سَتكبرونَ غَداً وَتلهيكم ….” !.

(13)

عبدالرحمن دلول

الهَباء ..

 ذاهِبٌ فِي طَريقهِ إلىْ صَالة السِينِما،

فَهَذا مَا يَفعلهُ عَادةً إذا مَا أصَابه المَلل فِي أيْام نِهاية الأسبُوع، أو بَعد دَوامِه الطَويل، حِفاظاً عَلى الوَقتِ! بَدلاً مِن إضَاعتِه بالانتِقال غَير المُجدِي عَبر قَنواتِ التِلفاز.. يَركبُ سَيارتَه التِي تَصدح مِنها أغُنيةٌ أجنَبية صَاخبة فِي بَعضِ جُملهَا يُذكر “الوَقت”، إلا أنهُ لا يُدرك مِنها إلا اللحنُ والدَندَنة.

يَترجَل مِن سَيارتِه ويُقابل زُجاجَها ليَزيد مِن رَتابةِ مَلابِسه وَقياس زَوايَا هِندَامه، فَهِي مُهمةٌ فِي تِلك المَمَراتِ الطوُيلة التْي تُفضِي إلى الصَالة، فَغالبَاً مَا يَصدُف مُرورَ حَسناءٍ تَسيرُ بالاتِجاهِ المُعاكس، لا يَعلم حَقاً لمَ يَتجَمل فِي تلك اللحْظة وَلمَ يَكون مَرامهُ إعْجَابها! لكن ذلك يُشعِره بالرِضَى عَن نَفسه.

يَقف فِي طَابورِ الإنتِظار مُتأففاً، وَما أنْ يَحين دَورهُ، يَطلب رُؤية فِيلم لا يَدري مَا عنوَانه، فَقط يُشير إلى “المُلصق” الذي يَتضمن إسْم الفيْلم فِي الخلفْ: ” اييْي، ذاك !! “، “صُن الوَقت! فلن تَعيش إلى الأبَد”. يَخرجُ بَعدها مُتأثراً بقِصته، ثمَ يُحادثُ نَفسه، إلى أيْن كنتُ أوَد الذهاب؟

آه نَعم .. إلى المَقهى !!.

(14)

عبدالرحمن دلول

الفقد !

تَبكي عَلى سَريرِها بِوضعِية الجَنيْن،

تَلتحِف الدُموع بِعيُونها وتُدثِرها مِن بَرد المَساء، بِشهقاتٍ تَقطع صُمود الحَديد وتُربك مَلامِحه، تُخرجَه عَن طَوره الصَلب الصَم إلى العَويل مِمَا يَرى، فَقد كَانت تِلك المَرة الأخِيرَة التِي رَأت وَالدتها وهِي تَقف بِالقرب مِن دَكة بَائع الطمَاطم قَبل أنْ تقصِفها طَائراتُ جَيش الإحتِلال، تَاركةً إيَاها لتضمَحِل جَسداً ورُوحاً فِي هَذه الحَياةِ وحدَها.

لمْ يَكن لهَا إلا هِي! تُداعبها وتُواسِيها مُنذ فَقدت والدَها قَبل عَامَين، والآنْ! ليسَ لهَا إلا حُضن وسَادتِها والقلِيل مِن المُؤاساةِ التِي بَدأت مُنذ بِداية مِحنتها، والتِي سُرعَان مَا سَتختفي بِمجَرد مُرور عِدة أيَام عَليها.

يكاد لسَانها يُجزم أنَ دُموعهَا التِي تَتسَرب بِداخِل فَمها فَقدتْ طَعمها المَالح، وبَاتت بِطعم الدِماءْ !.

(15)

عبدالرحمن دلول، Abdalrahman Dalloul

البَحة !.

بحَ صوتها تماماً وهي تقنعهُ بأن لا يتركها،

كما شخصٌ يقف مُتحدثاً عَبر الهَاتف بِمحاذاة مِصعدٍ، مبرطماً يَنتظر وَسيلةَ فُراقِه لتصِل، فلما وَصلته إستقلها، ليَنغلق بِدوره البَاب بإنسجامٍ مُحكم، فيَخفت صَوته، وتَخبو حَرارة نَبرتِه، فَيتوحد جَسدهُ الفاني مَع تلك الكَابينة الفُولاذية المُكعبة، وفِي كل مَسافة يَقطعها بالمصعَد نُزولاً، يُخيل إليها كأنماهُ قد غَرق والكابينة، ووصَلا إلى أعمَاق بَحر الفُراق، فلا صَوته يُسمع، وَلا وجدَانه يُرى !.
أراد مُغادرتها، لتعِيش قهراً فِي حَيز البُعد، ويلحق بِها نَعت الـ”مُفَارَقَة” إلى الأبد،  لكنهَا تَداركت الأمرْ، وتَناست ثُقل المَوقف، وقبلَ أنْ تُغادرهَا عَيناه، بِعفوية بَحتة، قالت لهُ بِتلك البَحة: أحُبك! فإنتشَى مِن بَحتها، وإنبعَثت فِيه الحَياة مِن جَديد، وتلقائياَ قَال: وأنا! فَخرج مِن أعمَاق الفُراق جَسده الفَاني، وتحولَ ذَاك المُكعب الفُولاذي الصَلد، لمُخملٌ خَمريٍ قَاني، ليَكون عَرش زواجِهما فِيما بَعد ! ..
رُغم سُقم المَلفظ،
خرجتْ شَافيةً لـ عِلة فُراق الرُوح، بِذات الصوتِ المَبحُوح  !.

(16)

عبدالرحمن دلول

السحر !.

لمْ تَستطع الزَواج بِه بَل تَزوج غيرَها،

فَقامت بِإحضَار مَا ظنتهُ مِن أثرِه وتوَجهت إلى “حَيكخوم” السَاحر، صَاحب غُرفة الزاوِية فِي زُقاق البَيادر القدِيم، فِي تلك القريَة البَعيدة عَن أضوَاء المَدينة، أسلمَته فِي يَده – “المُشعرَة ذاتِ الأظافِر الطوِيلة القذِرة” – صُورته وبَعضَ أوراقٍ كَان قَد تلمّسها، مَا هِي إلا أيَام حَتى دَبَ الخطبُ بَينهُ وبَين زَوجَته، يَشك فِي خِيانتها لهُ وهيَ بينَ يديهِ، يُوسوس لهُ الشَيطان مَا أحقُ لهُ أن يُكذبه، فيَطعن فِي زَوجته.

لم يُعالجهُ أحدْ، وأخفَت أسرَته أمرَه حَتى إستَفحل، وعَلم أهلُ الزوجَة بِذلك، فَأخذوهَا إليهِم، وَظنوا أنْ مَا به قَد إختَفى، لكنْ ظنُهم كَان خَاطئاً، فثارَت وسَاوِسه وأخذوُها، ثمَ رَجع إلى طَبيعتهِ، فإرتَجعها، ثمَ عَاد سِيرتهُ الأولى، أخبَر أهلُهَا أهَله أن يُعالجوه وأن يَأخذوه إلى شيخٍ أو مُخرج جِن، أو مُفرغ مَس، ذهَبوا بِه، لكنهُم لم يُواصلوا العِلاج دَرءً للفَضيحَة، فإدعَوا لأهلِها شِفاءه. هُم على تلك الحَالة مُنذ زمَن.

فهَل شُفي غَليل الفَتاة بِما أفسَدت، وهَل عَلمت أنَ عِلاقتهُ بِزوجتهِ قد أصبَحت عَلى صَفيحٍ مَهزوز لا يَزيد عَن كونِه وَرقة خرِيف، لربَما تسقُط فِي أيةِ لحظَة.

مَن المَظلومُ وكم سُحقاً نَحتاج هُنا ؟!.

رولا عبدالرؤوف: قدرتك على تلخيص إحداثيات قصتك بأساليب تشويقية حقا، بدأت في الفتاة العاشقة للمأفون المتزوج..من فيهما المسكين في الآخر؟؟هي من ظنت أن الربح السريع، في حرية اختيار الوسيلة وإن كانت تضر بالنهاية بالحبيب ذاته..أهو الساحر الشخصية البشعة بتراكيب وصفية قوية..أم هي الفكرة ذاتها..أم مكوثه في بقعة ما..قد أدرجت خطأ على حافة الهاوية..؟؟البشاعة التي وصل إليها الزوج في طرائق معاملته لزوجته كزوجة وكركن أساسي في حياته..وهي في النهاية ضحية وكلاهما ضحية..والأمرُّ في الأمر هي الرغبة بحل ما آل إليه أمرها من أسرتها البعيدة في المنظور والمحسوس وقد جردت نفسها من أي تبعية في الواقع.والذي تعمد ت فيه ككاتب أن تلج إلى التفكك الإجتماعي ولو بنظرة معتمة من الشرفة الموصدة ..في النهاية توضح أن جميعهم ضحايا..الفتاة بحمقها ولؤمها واستباحتها التلاعب بحياة الآخرين وفق رغبتها.والحبيب باستسلامه وتعمد ترصده لضحية أخرى يوقع عليها ظلمه..والزوجة التي ما حاولت أن تصنع لذاتها على الأقل حلا..والأهل في الواقع ضحية لأنهم مستسلمون.والساحر في البداية والنهاية هو ضحية شروره وعتمة حياته..قصتك أيها الكاتب الفذ الدلول واقع ملموس استطعت أن تضع يدك على الجرح بعمق ورهي…

…. يتبع ….

بالإشارة إلى خطابكم رقم …..


[قصة قصيرة]

بالإشارة إلى خطابكم رقم …

هل تلاشى العشق الصادق أم تزوج أصحابه؟! ..

Abdalrahman Dalloul

عبدالرحمن دلول

قطب حاجبيه بعفوية وهو يكتب بعضاً من الكتب الرسمية التي طلبها منه مديره في العمل ليرسلها إلى المبنى المركزي، بعد مرور أربعة سنوات تقريباً على غيابه الأدبي بلا عذر، نطق في داخله صارخاً، هل حقاً ذبل شباب قلمي وصارت كتاباتي منمقة مليئة بالمجاملات التي تسحر الحمقى يظنون صدقها، أم الخبرة الكلامية التي عانقت كتاباتي منذ مدة وقد توسمت بالسيد الفاضل وسيدي العزيز هي من سيطرت على عقلي الأدبي؟! هل ماتت هنا أدبياتي وأصبحت على هامش الكتابات، تاركة الصفحة من أوساطها لتسودها العبارات المتوفاة قبل ولادتها وقد أصابها الجمود العاطفي وفحواها “بالإشارة إلى خطابكم رقم ….”.

تململت أصابعه، وتذكر بعضاً من تاريخ كتاباته، فدخل إلى محرك البحث، وجال بأقدام عينيه على تفكيره بألوان الموقع القزحية، من الأزرق للأحمر والأخضر، يستذكر موقعاً كان من رواده في عصر نهضته الأدبية، حتى قاطع تفكيره صوت المدير يناديه كالغريق ليسعفه في كتابة بعض المراسلات، نظر إلى بابه نظرة جانبية ضعيفة ولم يزيد، ثم عاد إلى محرك البحث وتوقف فجأة عن الرمش وضعفت أنفاسه!! ليلتقطها أخيراً بكتابة “منتديات جـ… ” ليحادث نفسه باسماً “نعم ذاك أحد المواقع”، أخذ يحادث نفسه، ما كان اسم ذاك القسم، صدى الوجدان أم روح الأقلام؟ وأخذ ينزل بالفأرة ويصعد عدة مرات ثم توقف وأبتسم، همس الوجدان!! وجدته.

ضغط عليه وانتظر الصفحة لتفتح، جالت به الأفكار القديمة والرومانسيات العتيقة، هنا وكر الكتّاب والأدباء، هنا يتربع من أوقفوا بكتاباتهم مرور الزمن، هنا من يذيلون كتاباتهم بوقت كتابتها وبألقابهم الرائقة بدلاُ من الأسماء الرسمية وعبارة التفضل بالقبول الزائفة، هنا حيث المشاعر الشفافة، والقلوب النقية، فما زال يمني نفسه حتى ظهرت الصورة الأساسية للموقع، نزل إلى الأسفل، نظر في أخر المواضيع كتابة فوجدها قبل شهر تقريباً، أثار ذلك الأمر حفيظته باستغراب!! نظر إلى الردود، فأدرك أن هناك خطب بها، دخل موضوعاً ثم غيره حتى جاوز العشرة، لمح البرود فيها وفي الردود بها، لم يشعر بحرارة الفؤاد كما كان يشعر بها سابقاً، لم يكن يرى إلا كلمات متراصة متلاصقة خالية من المشاعر، تماماً كالديباجة التي يكتبها للمبنى المركزي.

تذكر من كتب في حب وطنه وشوقه له وأخر في وصف عشقه، وأخرى التي كانت تواري شخصاُ ما خلف كلماتها الشاعرية، وأخر يحادث الفراغ ليلاً متخيلاً عشيقته الخيالية تقف تحت أوراقه الفراغية وتنتظره بلهفة أكبر، وأستذكر ذاك الذي كان ساهراً يكتب شعراً في الحب الأفلاطوني! أم ذاك الذي كان يسمي نفسه حزن، وقد كان يخرج منه أفواجا كتابية تعصف بأذهان القراء واصفة حزنه في رسم حروفه، أين كل أولئك، لم يعد يراهم، وما أن اكتمل غرقه في المقالات عديمة الإحساس وحسرته على ما استجد فيها فوق قديمها الغالي المعبر!!، أيقظه صوت استنجاد بنبرة مألوفة، دقق السمع، تباً!! إنه صوت المدير، فأنتبه لنفسه ليجد أن مديره قد وقف أمامه ينظر له شزرا مستفسراً عن سبب صممه المفاجئ، اعتذر له ونظر إلى الشاشة مرة أخرى، لم يكن ثمة موقع مفتوح، بل كتاب أخر موجه للمبنى المركزي بديباجته المعتادة، “بالإشارة إلى خطابكم ….”

عبدالرحمن دلول
بقايا أدبية، من كُتّاب الجيل القديم..
لا عزاء للأدباء
2842014
AbdalrahmanDalloul

امِتزَاجَـــاتٌ عَاطِفِيَـــةٌ:


امِتزَاجَـــاتٌ عَاطِفِيَـــةٌ:
 
بأول خطوة لها وهي ترتدي حذاءها المصنوع من الفرو الطبيعي, ضربت بقدمها على الثلج الأبيض خارج نطاق منزلها المكبل ببقايا الثلوج المتساقطة, وأخرجت ذراعها النحيلة لتتحسس برودة الأجواء, حيث كانت النسمات الباردة تقشعر منها أخشاب المنزل وأطرافها الدقيقة, فأزاح بصرها محرك مجهول الهوية, نحو شجرة عملاقة, تدور حولها طيور البجع بعيدة عن الموانئ والمراكب, بمنظر غريب يسطو على الأجواء, ليكدر واقعيته.
تمالكت العجوز نفسها, واتكأت على عكازها, خشبي وقديم, مدبب في نهايته, ومتشقق في أواسطه, متجهتا نحو تلك الشجرة المتفرعة الغصون, وتذكرت شريطاً من حياتها على مر السنون, يتركب من عواطف وحب وأوهام وشجون, وتعود بها الأيام إلى الوراء, حيث تتحول الشاشات من الوضوح التام إلى الضباب القاتم.
تلك الفتاة الصغيرة التي تجلس عند شتلة صغيرة من شجر السنوبر الطويل ولم تكد أطرافه تصل إلى إرتفاع يوازي سطح منزلها القديم الخشبي, وأعتقدت أن قصة حبها ستنمو تحت ظلال السنوبر وستبقى شامختاً في تلك القرية البسيطة, يعلمها القاصي والداني, فتنال بعض الإحترام والتقدير من أهل القرية, ولكن حبيبها كان على غير تلك الأمواج, فقد كان يراها وتراها, فتعشقه بدورها وينحني بدوره, إلى طريق أخر من دون هوية, نحو العدم, فتذرف عينيها الدموع, لتعيدها إلى حاضرها المرير, الذي وصلت إليه, وقد ألهب ملح دمعها عينها, بكاءاً على اللامعلوم, بعيداً عن عشيقها التي هيئت لها الأوهام أنه يبادلها شعورها, فنطقت بلسان غربي مبين..
 
 
To see, to read, to feel, then to DREAM, are nothing comparing with true love framework done here in my life by your own hands, on this darkness uncontrollable position and place, and thick ivy surrounding it base, creating with them a mountain of emotions and building raise, and all driving the beloved one to craziness tell he commit suicide toward his believes, that love is actually not exist nor release, but liking and admiring from my side is taking place, but for literate and realistic person this will be cease, that what you have created here, is swimming no where but toward true marvelous and brilliant painting of love, stuffed with admiring within it leas…..Booaoof
 
 
فمشاعرها كالمبنى العظيم الشامخ, الذي يطاول عنان السماء, ليلامس الغيوم, ويداعب الطيور, وقد نبتت عليه نباتات العليق الممتدة, معلنةً عتقة حبها وأحلامها, حتى إنتحرت بأفكارها ,وأوهامها, أن لا حب بعد اليوم يدوم, بعد الذي ذاقته ولم يزول, ومع ذلك فهو لا يدري بحالها.
ليرد عليها عاقلٌ مجنون, أن ما حكته قد كان ميمون, فقد سبحت بأفكارك إلى المعلوم, بروعة الحب الصادق وحق المكتوب, لترسمي لوحة عشق, بذوقٍ رفيع, حتى بلغت بها البعيد, دون أن تصيب المقصود, فلن يفيدك ما أخبرتيني شيئاً, فمن عشقتي قد ولى, ووجد غيرك فتسلى.

922010

أخــــ دلــَــول ــوكم

علم قليل للإمتحان الكبير


تدور مجريات القصة في مدينة غزة في الجامعة الإسلامية

 

 

قصة قصيرة ” علم قليل للإمتحان الكبير”

الكاتب ؛ عبدالرحمن دلول

 

       بدأ الفصل الدراسي الثاني للعام 2005-2006 وبدأنا بحضور المحاضره تلو المحاضرة وبدأ منهجنا بالتضخم بصورة متدرجة وبطريقة منطقية للغاية وبدى علينا فهمنا للمادة, كان كل من الأصحاب يدرس بمنزله بعد إنقضاء الدوام الجامعي وكنت أتصل بهم فردا فردا , فيرد الأب تارة :إبني ليس بالبيت “ونحن أصدقاء فمع من خرج !!!وإذا بالأخر ترد أمه :أنه عند بيت عمته وهكذا أخذت الحياة مجراهاعلى أن كل منهم غير مشغول بدراسته وبناءا على ذلك لم أقلق إلبته لانه بحسب علمي لا أحد من الأصدقاء يدرس.

  

 .      إنقضت أيام الدراسة وزاد التغيب داخل الجامعة فمن من يتغيب يدرس ومنهم من يتغيب لينام, وكنت أنا أتغيب لأجلس على الكمبيوتر أو لمتابعة الأفلام فأحضر يوما من أواخر الأيام بالجامعة وأغيب ثلاثا وهكذاوبدأ الأستاذ والأخر بإعطانا مواعيد الإمتحانات ودب القلق في صدري فأنا لم أدرس منذ بداية الفصل وما عساي أن أفعل الأن.

  

 ..      أخرجت الكتب التي لا يوجد بها ولا حتى نقطة من قلمي الخاص ولا يوجد لدي أي تلخيص لأي من موادي ..جلست أذاكر في ذلك اليوم وكان يوم الثلاثاء, صحوت في الصباح الباكرعلى غير عادة مني بذلك وقضيت صلاة الفجر فقد فاتتني وجلست على الطاولة متخيلا كتب الستة عشر ساعة كأنها جبال فوق ظهري أتلمس إزاحتهم عني.ولكن هيهات تذكرت قول الأستاذ عندما كان يكرره أثناء فترات الدراسه عند الإمتحان يكرم المرء أو يهان”.

  

      أصبحت أتصل في فلان فلا يجيب وفي الأخر لا يرد فهو مشغول بالدراسة قررت في النهاية الإعتكاف في غرفتي للدراسة الطويلة ولكن هذا ما لم أعتد عليه فكنت أنتظر أن يدق الباب .. أو أن ينادي علي فلان أو أن ينتهي تحضير الغداء أو وقت العشاء للأكل وأرجع إلى مكتبي ولا يزيدني ذلك إلا عياءا من منظر الكتب الغير مفتوحة من قبل والتي لو أرجعتها إلا المكتبه لقبلها بسعر الكتب الجديدة فحتى إسمي ليس مكتوبا عليها قررت أن أغلق الكتب وأتابع الدراسه غدا يوم الأربعاء, ولكن تكرر ما حدث البارحه وكذا يوم الخميس فلم أدرس أي شيئ..

  

      وجاء يوم الجمعه صحوت الساعة العاشرة قضيت صلاة الفجر وتوجهت للتلفاز أتابع الصلاه في مكة ثم إلى المسجد القريب من منزلنا لأداء الصلاة..وجدت أصدقاء لي هناك بادرتهم بالسلام وجلسنا نتحدث عن الدراسة ولم يكن الإمام على المنبر بعد فالكلام أثناء حديثة إلغاء للصلاة هكذا قال الرسول الكريم ..وأصبح يقول بأن كل دراسته على ما يرام وانا بادرته بالعكس..وما أسرع أن انقضى يوم الجمعه حتى كان الغد يوم الإمتحان والإختبار..فالقلب ليس في مكانه والقدمين ليس بهما أي ذرة دم والكفين كذلك والعينان حمراوان من سهر البارحة والنفس التي لا تستقر وكأنها تريد التقيؤ وقلمي الأزرق في يدي.

  

      خرجت من البيت ووصلت إلى طريق صلاح الدين العام أوقفت سيارة أجرة وركبت فيها وإذا بالسائق يحادث من كان يجلس بجانبه وكان طالبا قد لمحته صدفة في الجامعة وكان الحديث الدائر عن الإمتحانات والدراسه وما إلى ذلك وكلما زاد الحديث كلما انتابني القلق الشديد حتى وصلنا أمام مكتبة أفاق…. لم أبقى في سيارة الأجره إلى باب الجامعة بل نزلت أمام المكتبه, وكان الجو غائما جزئيا وهواء الصباح عليل يلفح أطرافي المعدومه من الدماء فسرت متوجها إلى بوابة الجامعة بخطى متثاقلة جدا ولم يتبقى على الإمتحان إلا نصف ساعة.

 

       وصلت إلى الساحة العامة فاتصل أحدالأصحاب بي يخبرني بالتوجه للكفتريا وإذا بالأصحاب قد تقوقعوا حول طاولة في طرف الكفتريا يذاكرون ما كانوا قد قرأوه بالمنزل وأنا أجلس في الزاوية البعيدة من الطاولة وكنا نعلم أن هذا الإمتحان سيكون صعبا جدا وأن النجاح فيه هو بحد ذاته أمرا صعبا ولكن الدارس ليس كمن لم يلمس الكتب انتابني شعور باليأس وأنني لن أتوفق في الإمتحان أشارت ساعة الكفتريا على إنقضاء ربع ساعة ولم يتبقى إلا الربع الأخير من الوقت.

 

       توجهنا إلى القاعات وكنت أخر من دخل من أصدقائي وكان جسدي يرجف رجفات غير مباشره وكأن الدماء تتسرب منه وبدأت يداي بالتعرق فأخرجت قلمي من جيبي وبطاقتي الجامعية وجلست أرقب دخول المراقب, كان قد تبقى للوقت الأصلي للإمتحان خمسة دقائق فقط وإذا به يدخل القاعة وبدأ بتوزيع الورق علينا مشيرا إلى البطاقات ومن لا توجد معه بطاقة أن يخرج من القاعة وما إلى هذه المقدمات التي نسمعها في الإمتحانات عادة, وبدأ يغير من أماكننا وكان البعض من الطلاب قد نسخوا المادة بأكملها على الطاولة فغير أماكنهم وكأنه القدر يقسمنا يجلس شخص يكاد لا يفقه أي شي في المادة على الطاولة المليئة بالحلول..وأخر هناك وأنت هناك حتى انقضت الخمس دقائق.

      قال المراقب :سموا بالله وتوكلوا عليه الإمتحان سهل جدا لا تقلقوا .. وأصبح يهدأنا وما إلى ذلك من الخطابات القصيرة المهدئه.كتبنا أسماءنا وبدأنا الحل أترك ما لا أعرفه إلى ما يليه وهكذا حتى أجتمعت لدي ما حللته وكان أقل مما لم أحلانتابني شعور اليأس مرة أخرى فمجموع ما ححلت لا يتجاوز نصف العلامة ,ما عساي أن أفعل..اذكر ,عدد ,وضح في ضوء فهمك .. أي فهم هذا أنا لم أكن أحضر أصلا..وأدركنا نصف وقت الإمتحان وإستمر في التقدم وأنا ما زلت أفكر بالأسئله لم يكن منيإلا أن قررت أن أسلم الورقة ولكن لحسن الحظ الطالب الذي كان بجانبي قد وقعتهمنه رقعه صغيرة من الورق تحوي على إجابات عدد كبير من الأسئلة التي لم أحلهاتابعت النسخ وكان المراقب قد تمركز في مقدمة القاعة ولم يتزحزح من مكانهبعد أن حللت الأسئله سلمت الورقة ووضعت بطاقتي في جيبي وهممت بالرحيل..متوجها إلى المنزل محبطا قليلا..

      وخرجت الدرجات وإذا بي قد أخذت في المادة 89من المئه فرحت كثير وحزنت أكثر لانني لم أستفد من هذه المادة أي شيئ وحتى الدرجة لا أستحقها فقد غششتوهكذا مرت الحياه إلى عامنا هذا الذي أتمنى من الله أن تكون الإختبارات به أفضل والدراسة أفضل وأفضل..

 

اللهم إنفعنا بما عملتنا وجعله حجة لنا لا علينا واجعل الجنة هي دارنا

 

وصلى اللهم على محمد وعلى أله وصحبه وسلم

 

 

دمتم في رعاية الله وحفظة

 

%d مدونون معجبون بهذه: