Archive for the ‘ خواطر وكتابات ’ Category

كنزة صُوف ..


كنزة صُوف ..

عبدالرحمن دلول، Abdalrahman Dalloul

كنزة صُوف !

كنزة صوف ابتاعها،

أخبره البائع بسرها:
أغمض عينيك، لتقم بأعمالها،
ثم ارتديها في هدوء المساء،
تسرقك عبر التاريخ إلى تلك الأنحاء،
أجل !! نحو ثقب أسودٍ يأخذك إلى البعيد،
نحو أمجاد العروبة ووحدتهم وعلومهم،
نحو ساحات الوغى وانتصاراتهم،
نعم !! يخرجك من همٍ أصابك،
ومن كدرٍ أرقك،
من غيظٍ نال مما في قلبك من أوردة،
بحال الأمة المفككة،
وقد أصابك السهدُ تحت ظلال السماء المعتمة،
بأنيابه وسهامه المُسممة،
فبكى سراً من حديثه .. ثم واصل:
ثم تَرنَحتَ مَاشياً …فِي الأسواقِ وفي الأزقة،

ابتسَمَ!

ثم مُستغرباً تمتَم، إلا أنه …
رضي بالوصف منه فابتَاعها،
جاء المساء بغتة،
تذكر أمجاد العروبة، وعنترة،
وسَمِع صهيل الفرسان فتشكلت لديه الفهرسة،
سأرى زيدٌ وسعد، وخالدٌ ومحمدٌ بن مسلمة،
وقتبة وعروة والزبير والحارثة،
سأرى رجالاً أخضعوا الروم قاطبة،
والفرس أرضهم احتووها شاملة،
وألحقوا بكليهما أراضي الديلم الجارحة،
ووحدتهم، قادت الفخر إلى النفوس الخاوية،

ارتدى كنزته،

تَمَلكهُ بِدفئه الصُوف، فابتهج!
وللحظة، زال عنه الكدر والخوف،
اسودت الدنيا وظن سَرِقَتهُ إلى هناك قد بدأت،
أغمض عينيه أكثر، وانتشى،
سَمع طرق الباب وكسره، فقال الآن انتقلت،
حلق في الهواء،
وعجباً! ..
سمع صوت محركٍ يثور في الأجواء!
فاعتراه الوهم لحظة، فقال: مدرك أنا لما في الأرجاء،
غياهب الزمان وأصوات التلاحم والسيوف حين تتضارب،
مألوفة لدي، فلا بأس!!
شعر بالاهتزازات،
فلم يتمالك إلا أن …
فتح عينيه وجفل بعدها …

حبل المشنقة!!

قد تدلى أمامه وهو فوق مصطبة،
يعتلي عليها صناديقا مكعبة،
نظر حوله، إعدام من هذا؟ سأل،
قيل: أنت يا إرهابي يا عديم الشفقة،
تتخابر مع الماضي ضد دولتك القائمة،
أقتلوا الخائن وأردوه في غياهب القبر المظلمة،
خان الولاء والعهد والأفكار والدستور والمملكة…
أودَعُوا رقبَته إلى المشنقة،
وأزَالوا مِن تحته الصناديقَ الأربعة،
شُنق، مُتدلياً، مترنحاً .. منازعاً! تحت ظلال صوتٍ صارخٍ:
لا تفكر، لا تتخيل، لا تحلق بقلمك بعيداً،
فـ السجن كائناً من كنت يصيبك آنفاً!
نازع الروح هباءً،
وارتقت بعدها إلى من كانت الكنزة ستأخذه إليهم،
قد صدق البائع معه البيع،
ولوهلة ظنه قد غشّه البيع!

….
..
.
استيقظ !! مرتعداً، صارخاً:

تباً للأفكار، تباً للقلم،
لا أريد حرية،
ولا أريد أن أكتب!
أهلاً بالذل، أهلاً بالقهر، أهلا بالعار،

لا للثورة .. لا للثورة !.

يناير، 2015

سُقوفٌ ورَقية، وَأمالٌ خَشبِية !.


سُقوفٌ ورَقية، وَأمالٌ خَشبِية !.

عبدالرحمن دلول، Abdalrahman Dalloul

سُقوفٌ ورَقية، وَأمالٌ خَشبِية

كـ

طِفل دخل إلى المنزل مسرعاً جزعاً بعدما أصابته السماء بـ بللٍ من زخاتها! يطبع بلا وعيٍ أثار قدميهِ النحيلتين على سجاد المنزل العجمِي المبتاع حديثاً، وبرتابة، ترتجف شفاهه الصغيرة، وتتلاطم أسنانه البيضاء الناعمة وتصدر صوتاً كـ آلة كاتبة عتيقة، إستخدمت لكتابةِ قصيدة !.

شعر فَور دخوله إلى المنزل بالأمان، وبالدفء المتوهج من تلك المدفئة المركزية التي تتوسط غرفة الجلوس الغالب عليها البياض، والفرو النَاعم، يجلس بقربها وقد تلحف جسده الدقيق نفحاتها، وتبطن بغطاء الأريكة المخملي الأزرق، وذهب في نومٍ عميق!.

“قم أيها الأخرَق الأبلهُ القذر!

قم وأجلب بعض الحطب من أمام مشروعِ البناء المجاور، وقف بعد ذلك عند إشارة المرور وإمسح نوافذ السيارات، سَيتطلب الأمر الكثير من العمل لتجلب لي الخمسة والسبعين ليرة أجرة إقامتك معي في الملجاً، “معتصم” قارب ذلك، وما زلت أنت قابعٌ هنا بالقرب من مشعل الإضاءة، ولم تجمع لي سوى خمسة ليرات، قم هيا أيها الأحمق الكسول!” – وركلهُ في خصرته الصغيرة، فإبتلع الآلم ومضى في طريقه للعمل !.

هكذا هو شتَاء دمشق والزعتري! ناحيةٌ من الفقر، وأعمدة من الدخان، وصباحٌ بلا ألوان! هكذا هي حمصٌ وحلب، وغالبُ مدن الجنوب! لا سقف مرفوعٌ فيها ولا مئذنة، بل عدة بلاطات قد رصت بجانب بعضها في مُنتصف الطريق بغرابة! هي الشاهد الوحيد على أنه كان يوجد فوق هذه الرقعة المبلطة يوماً ما، غرفة جلوس دافئة، تتحولق فيها العائلة، وتَتناول عشاءها بمنتهى السعادة!، إنتدثرت الآن وأصبحت مشتتة، في البقاع ولبنان وأطراف عَمان والزرقاء وربما إربد، في كَسب الخضرَاء، وجنوب أنقرة، وبعض مدن تركيا !.

أما الأمان فهو أغنيةٌ ترقص على أنغامها عرائس الزمان، برداءٍ أسود، وتنبعث من مذياعه موسيقى تجلجل مساكن ألهة الإغريق! حيث تحتفل تحت لحاء الشَجر طرباً، وقد أخرجتها موسيقى الحداد الصاخبة، عنوة من تلك المساكن! لتجدها بعد التمحص والنظر، وهماً لا أصل له في جُنينات البِلاد، وحدائقها المؤثثة بالأشجار المزركشة ببقايا الثلوج المتكتلة، والمفترشة ببساط الحشائش اليانعة، والبحيرات القرمزية الرائعة !.

حلم !! كان في هذه البلدة، منذ زمنٍ ليس بالبعيد، كانت حياة وآذان يرفع، وأشجارٌ وثمارٌ تنيّع، وغيوم تتبعها شمسٌ تسطع، ليس فيها اليوم سوى كساءٌ من دخان، وإختمارُ طعامٍ بالـ دماء، وشرابٌ قاني اللون يهبط من السماء، وعجينة أساسها طينٌ ورمال، وبقايا حفناتٍ من أثار، وكلماتُ رثاءٍ، تجتاح العديد من الأشعار!.

ألالاتٌ تعزف موسيقى حزينة، وهارمونيكا تنبعث منها أطيافاً قتيلة،
فيها قمصانٌ مبللة، وأطراف مرقعة، ونعلٌ مقطعة، وشعورٌ مشعّثة، وخرقاتٌ ممزقة، ودلاءٌ مسرِبة، ومياةٌ بالدماءِ معكرة، وبناطيلٌ بالطين مغرّقة، وبسماتٌ داكنة، وعيونٌ دامعة، وألامٌ موجعة، وجروحٌ ملتهة، وأمالٌ خشبية، بسقوفٍ ورقية !.

[نوفمبر 2014]

حيثُ الطريق المدلهم !.


حيث الطريق المدلهم !.

عبدالرحمن دلول

حيث الطريق المدلهم !.

إليك أكتب فإنتظر …

إشتقتَني وأشتقتُك . .
فأغمِض عينيك لأغمض عيني . .
ثم أبالغ في إغماضِهما . .
أتخيل شَارعاً مدلهماً . .
في أخرهِ نورٌ مشعٌ . .
ألقَى خيالاً جَاثياً . .
يقف فجأة ماشياً . .
أزيد إغماضي . .
وتثقل أنفاسي . .
فأحتاج مزيداً من الشهيق . .
لأخرج مزيداً من الزفير . .
لأتنفس . .
بعمق، وفتور . . ثم أزيد . .
فتقترب . .
وأقترب . .
أكثر وأكثر . .
حيث اللا صوت إلا الطَرْقْ . .
لا يكون إلا من النبض . .
يقشعر القلب . .
مع كل إقتراب . .
هناك حيث لا أقدام . .
هناك وحدي معك أكون . .
لتتلاقى العيون رغم الظلام . .
وتتصافح الأيدي بعد الهيام . .
لتُحتضَن الأجساد، جسداً واحداً . .
أنا وأنت ولا فراغ بيننا . .
لا فراغ بيننا . .
لا فراغ . .
لا ..
لأفتح عيني بعدها . .
وأبتسم . .
علكَ أمامي أراكَ تقف . .
في واقعٍ مختلف . .
عن ذا الطريق المدلهم . .
،
فـ دم بخير ! عزيز قلبي، وشريانه الذي أفتقده !…
::

 

عبدالرحمن دلول
نوفمبر 2014

أأصَابعي عَشر؟ ~ خاطرة


/
أأصَابعي عَشر؟ ~ خاطرة

* عبدالرحمن دلول
عبدالرحمن دلول

أأصابعي عشر !.

أأصَابعي عَشرٌ كما كَانت ..
وأنا فِي حُضن أمِي،
أم أنهَا قُصفت بَعدما،
نال الثرىَ منكم،
يا اخوَتي وأبِي،
قد كُنا كذلك عِدة،
قبل مَجيئ إبنِ الأصفَر الغربِي،
حتى أوذِينا من قَبل أن يَأتينا ومن بعدهِ،
مِن ذا الأخو العَربي،
أعَربي هُو ام أعجَمي،
ثار دَعماً للعسْكَر الشيعِي،
أشيعيٌ أخِي فِي الدِين،
أم أن طائِفته،
عَمتهُ أُخُوّتِي،
أفلم يَرى الغربُ إذ إدّعو كذباً ..
للعَالم حِفظ حُقوقي،
أم العُرب إذ نَاشدتهم دَمعي الذي ..
ألهب خَدَايَ وإنتهاني لـ صمتِي،
أنْ أنجِدوا شعباً قتِيلاً،
نادت مَآذنه حي عَلى صَلاتي،
أم انَ صَلاتكمُ غير التي أؤديها،
وأني إنما أنتمِي لـ مَعشر الرومي؟
لكني إذا نَظرت كِتابي أجدكمُ،
بِلاد العُرب أوطاني،
لستُم إلا كَما ألفتكم ورقٌ،
لمْ تغضَبوا إذ إستَباحُوا دِمائي،
أفلم تَروني طِفلةٌ مَجذوذة،
حُرِمَت ظلماً مِن المَهجَع الدافي،
وأختي بَكت وبَكيت حين بُكاءها،
حَتى يبسَت مِني أصُولَ جُفوني،
حَرموها أمِي إذ كانت تُحيط بِنا،
وأنا أغنِيها بِصوتي،
نَحن عَشرة، حبيبتي !.
أمِي، أبِي،
أنا، أنتِي،
وبَاقينا، جُلهم أسرتي،
أمٌ ،كمَا بَاقي الأمهَات تَحن،
وأبٌ يُنجدني من خطوبِي،
لكنهُم ذهَبوا وتَركوني وحِيدةً،
مَسؤولة،
فـ كُنت أماً، أباً لكِ يا طفلتِي،
بهذَا سلبتْ مني طفولتِي،
ولستُ أرى نعُومةً لأظفَاري ومشاعِري،
لكن لا تقلقِي منهُم، عَزيزتي،
فـ الله يَحفظنا من كل خطبٍ ..
صَغيرتي …
فـ الله يَحفظنا من كل كربٍ ..
صَغيرتي …

::

عبدالرحمن دلول – ذكرى مآساة سوريا الحزينة

سبتمبر 2014

وفي رحلتي أشياء . . ~


وفي رحلتي أشياء

عبدالرحمن دلول

وفي رحلتي أشياء

(1)

جَلست فِي مُقدمة مَقاعد الإنتظار فِي المَطار، حَيث الأجواء المغايرة لطبيعة فصل الصيف بِالداخل، مُتجمدة! شعرت كأنما الجدران ترتجف وتتقارب حُجَراتها مِن بعضها وهي تلتحف غطاءها الأبيض المزركش بالخطوط السَوداء عله يخفف مِن حدة وقسوة البرد، حتى خيّل لي أنها تغني:

“يا ليل الحبيب طوِّل”
“يا برد الشتا حوّل”.

الأجوَاء الخاملة المَلئية بالتثاؤب، “وتشرنق” الأجسَاد بِداخل نفسها وملابسها من التقشعر، تغيير الأكفة إلى اللونِ الأزرقْ، القوَانين وإجرَاءات الأمن المُبالغ فِيها، وفحص الأيادي بشكل هستيري بقماشة بيضاء مَربوطة في نهايات عَصاة بلاستيكية زرقاء في يد مُوظف الأمن، جُلها يربك حتى ولو لم تكن تصحب معك جنحة وأنت تسافر.

أحادِث نفسي برهة، ألا من شخص أحَادثه ويحادثني، عَل كلماتنا ومَواضيعنا تلتقي بلا ميعادْ بقواسِم مشتركةٍ فـ تكشفُ عَنا بَرد عَتباتِ المَطار ومَقاعده البلاستِيكية الزرقَاء الكَئيبة هَذه. لطالمَا سَافرت خِلال مَرحلة دِراستي الجامعية، وكانَ في الطائرة (أطنان) مِن الأشخاص المُحتملين ليكونوا رُفقاء حَديثِ السَفر، أما هنا، فلا أكاد أجد!!.

كادتْ تِلك المُتجاورات تَخنقني، لوْلا لطفُ أنفاسٍ هبتْ مِن “الجوال” وقدْ أورَدت إلى صَدري شيئاً من الدِفء عَبر دَفعاتِ أنفَاس مُتتالية مِن الهَواء والنصُوص التي تدعو لي فيها والدَتي “بِالسلامة”.

فجأة، انبعث (الصوت العنيف ذا الذكرَيات المُربكة) ~ لطالمَا كرهت ذاك الصوت، الصوت الأنثوي المُعتاد الذي يَتبع جَرس التنبيه فِي المَطار – Attention please! – يُرجى الإنتباه، الرَجاء مِن السَادة المسَافرين إلى مَطار هِيثرو، سُرعة التوجه إلى البوابة رَقم (خمسَة) … لولا أنهَا طائرتِي لمَا لبيتُ ذاكَ النِداء، أمقتها بحق! . . حَملت حَقائبي وتوجهتُ إلى خُرطوم المَمر المُفضي إلى الطائِرة – “وشْ رقمَك يا الأخو؟”، C22 مِن هنا لو تكرمت!.

رائع! عِند النَافذة، وبجَانبي مقعَد واحد فقط، كَان ترتِيب الكراسِي عَلى النحُو 2،3،2 حَقاً رَائع، حَسناً، أممم .. مَن سيكون رَفيقي فِي رحلة السِتة سَاعات هَذه، أتمَنى أنْ يكونَ شَخصاً يُجيد الكلام، أو يَكون صاحب حَديث شَيق، يَملأ وقتي بِما يُفيد ويشرَع فِي أفكار أو إضاءات تُنيرني بِطريقة أو بأخرَى.

(2)

فتَاة! شعرٌ مُجعد، فِي عَقدها الثالث/:

كَيف لي أنْ أتبَادل أطرَاف “الحَكي” بِحُرية الآن . . لا حولَ ولا قُوة إلا بالله، وقَفتُ كـ “الفزاعة” أو كصنم فجأة، شككتُ أن أكون صنماً حقاً، حَتى كسرتْ جُمودي نظرةً مني للخلفِ، بشكلٍ يَلفت الإنتِباه!! لا أكترِث! عَلني أرى مَجالاً آخراً، أو مَكان شخصٍ تَعذر عَن القدوم، سَأضحي بِمقعد النافِذة اللعين، لكننَي لنْ أجلسَ طيلة المُدة بجانب تلك الفتاة! وصَامتاً لا أتكلم أيضاً !.

لا شَواغِر، الرُكاب كَأسنان مِشط عَلقت فِيه بَقايا شعرات سوداء مجعدةْ، أتلك عَلامة سيئة، أو حَظ عاثر، تمالكتُ نفسي، وعدت لخط سير ما كنْتُ أفكِر فيه . . الطائِرة مُمتلئة! تبَاً، جَلست ووضعت سَماعات الرأس، وكأرنبٍ لذتُ إلى جُحري وكتفتُ يَداي وصَمَتُ! ليناديني صَوتٌ بداخلي فَجأة، وكأنه يتمرَغ فَوقَ أرضِ خوالجي ضَاحكاً! وماذا إنْ أردت إستخدام الحَمام يَا مِسكين!! حقاً،،، يَا إلهي سِتة سَاعات تقريباً، لا بد أنني سَأحتاج فِيها إلى الحَمام، لا بد! تباً للحَجز، تبَاً للطائِرة، تباً لمِقعد النافِذة.

 

حَلقت الطائرة، وتلحَفت الفتاة بجانبيْ بالغِطاء كـ إحدى شرنَقات المَطار وغَفت فِي نومٍ تحول إلى قيلولة ثم سبات طويل. عَبثاً أحاول تعبِئة وقتي، الشَاشة، الأفلامْ، المُصحف، النافذة القمِيئة، لمْ يُخرجني مِن وَجبة العَبث تِلك إلا بُرودة الطائِرة! ما خطبُ البُرودة مَعي! هَل تعرِفني؟! أم أنها تَحقد عَلي بِسبب تلك الأفكار – أفكاري، يَقولون أن الأفكار تَتصل بِالأجواء، حره وبرده؟ لا أدرِي لكنه يَنهش فِي جسَدي!! لم أحسِن إختيار المَلابس الثقيلة حتى، بدت رحلتي جميلة من بدايتها، وسَاءت الآن، تَباً أخرى أزيدها إلى أخواتها “التبانات” السابقات.

طلبتُ غطاءاً آخراً عَله يَدرء عَني بَعض تلك النسَمات القارصَة، إلا أنهُ عبثاً يَقف أمَام قضمَات البَرد الجَامدة، التي وجَدت مَداخلها وولجَت تحت الغِطاء مِن محاذاتِ المَسند، مِن جَوانب النافذة، مِن خلف مسنَد ظهرِي، لم أحسن أيضاً أمنَعها مِن ذلك. :/

(3)

لمْ أدري كَيف انقضتْ السَاعات، غفوتُ عِدة مَرات، وإستَيقظت فَوق تُركيا وفوقَ ألمَانيا، رأيت الخُضرة والبُحيرات بِصعوبة، فالغيُوم المُنتشرة شكلت عَائقاً مُتعلقاً عَلى أطرافِ العَين وقولَب النَافذة البيضاوِي! وصَلت وجبَتي، لمْ أعطها وقتاً لتستقر على منضدتي حَتى أفرَغتها، غفوت مَرة أخرَى، كُنت أتمنى أن يَكون الطقسُ في “هيثرو” أكثرَ دفئاً.

أيقظتني بعض المَطبات الجَوية عِدة مَرات، أنظر بإتجاه أوكرانيا بلا سابِق نية وقد أصاب ذهني فراغ النائم المُستَيقظ، أحدث نفسي؟ أخشى صَاروخاً غادراً كَذاك، نعم! كالذي أصَاب الطائِرة قَبل أسبوع، عَلنا لا نحلق فَوقها! يا إلهي، ماذا أقول؟ أألطم وجهي لأستيقظ، أم أقرصني من الكتف!؟ تَكفي تِلك المَطبات التي تطرِب أركَان الطائِرة وتضرِبها ككرةٍ مُعلقة بـ قدم لاعِب، لا تنفك عَنه حتى تعود إليه ليركلها من جَديد.

إقتربَت الطائِرة مِن الأرضْ، بَدت مَلامح لندَن تَظهر للعَيان قلِيلاً، طواحين القمْح المُنتشرة في كل مَكان، تلف مَراوحها بِشكل جَميل مُتناسق، وتزِيد الأعشاب وَالأشجار الضخمة الصُورة جَمالاً ورَونقاً، نَسيت أمرَ البُرودة، فلندن آخاذة مِن الأعلى!.

هبطت الطائرة هبوطاً موفقاً، جَفلت بعده لضَخامة مبنى المَطار حِين خرجتُ من الطائِرة، وقد صادق الواقع مقولتِي أن حجمه كبيرْ! فقد تنقلت بين المباني وعبرت أنفاقاً بالحافلة لأصل إلى طائرتي الأخرى التي ستقلني إلى الولايات، أجَل لم تنتهي رحلتي إلى هُنا، بل كانت في بِدايتها، لكنني لمْ أرى خَارج المَطار إلا الضَباب، ثم الضبَاب فحسب!.

(4)

سِحت فِي المَطار قليلاً، هَارولدز، ستاربكسْ، والمقاهي المتعددة بـ أصنَاف الطعَام والشطائر، جَلست على معقدٍ ينتصِف رُدهة الإنتِظار، نَظرت فِي كُل الإتجاهات حَولي، شعبٌ يحبُ التثاؤب، شعبٌ لا يَكترث بِما يرتدي من ملابسْ، رُقعتين مِن قماش، أو رقعَة واحدة تمتد من الأعلى تَكفي، رجالهم مُعظمهم كِبار السِن، أسنَانهم “كرَاكي” مُتفرقة بَارزة، تَكاد تَكون عَلامة دَلاليلة مُميزة عَلى كَون الشخص المَاثل أمامَك (بريطانياً).

لا حُدود لديهِم! يُقبلونَ بعضَهم أمام أطفالِهم بِقبلات لاذِعة للحياءِ تثيرُ القرفْ، تَغرهم أنفسهم، لا يَبتسمون كَثيراً، وما أنْ تطلب مُساعدة مِن أحدهم، يَرد عليك بِأسلوب “جَلف” جَاف “it’s there, read the signs”. طالت مُدة الإنتِظار، وَزادت مَواقف إثارة القرَف التي تتوارد عَلى إطار مشاهدة عَيني وبَصري، فآثرت المشي.

تنقلتُ قليلاً فِي الرُدهة لأجدَ مَمراً طوِيلاً كُتب عَلى لافتة فِي أعلَاه “غُرفة الدِيانات!” تبعتهَا، فقد أثارتْ فُضولي تساؤلاً عما فيها! وما أن وَصلت إليها، إذا بي أجدُ مِنبراً عَليه الأنجيل، ثم عَلى رفٍ جانبي بَدت سُجادات الصَلاة المتجلية وبعض المصَاحف، وهناك مَقاعد كما فِي الجامعة في زاوية أخرى تنتظر خطبة ما! تَفصل بَين هَذه وتِلك سَتائر مُعلقة ومتدلية نحو الأرضْ.

الغُرفة خَالية إلا مِن رجلٍ في الأربعينيات يَقرأ القرآن ويَستغل نَهارَ رمضَان، جَلست هُناك أشاهدهُ بعد قصر وجمع! خيًلت لي رَائحة بخورٍ تَنبعث مِن إحدى زوايا الغرفَة التي أعجِبتني فكرتها حقاً، وأكثر من ذلك، فكرة رَجلٍ مُسلم واحِد هوُ من يشغلها السَاعة. عُدت إلى البَهو ثم المَمر فَالردهة إلى مَمر البَوابات، فالطائِرة.

(5)

رُكاب طَائرة الوِلايات بَشوشي الوجوه، سعيدة، لا تَجعدات فِيها ولا تَكلف بسمة، أريَحية التعامل كانَت السِمة الظاهِرة فِي حَديثي مَع أحدِهم، صَعدت إلى الطائِرة، تَوجهت إلى مِقعدي، الجَميع يَبتسم بِصدق، عَلى الأقل هذا مَا بَدى لي! نَظرت إلى مقعدي من بُعد، أشعُر بنعاسٍ شديد، وَقد كانت بُرودة الطائِرة تزداد كلمَا إتجهتُ نحوَ مؤخِرتها، وددتُ لو أننِي أحتضن قطاً شركسياً أبيضاً ذا فروٍ كثِيف يُدفئني الساعة، وأحاول نِسيان فِكرة كرهي للقِطط هذه اللحْظة على الأقل. إلا أن هذان الأمران (البرد والنعاس) لم يُثنيني عَن ترقب زَميل رِحلتي فِي المِقعد، لا أنكِر أنَ فِكرة مِقعد النافِذة بَات أمراً بَغيضاً بالنسبة لي إلى حدٍ مَا وكدت أنْ أسرِب علىْ لساني شتيمة تلحَقه، إلا أنني تَمالكت نفسِي لأنظر لذاك المُسافر الذي قدرَ لي أنْ أركب بِجانبه قَبلاً في رحلة التسعة سَاعات تلكْ. بَدى كَشخص غَربي إعتِيادي، عَينان مُلونتان وشَعر أشقر مُجعد، إلا أن المَلامح قريبة لأن تكون أوروبية – تركية.

جَلست بِجانبه وأخبَرته أني سأكونُ زميله في المقعد، فـ رَحب بِي كأحسن مَا يَكون الترحِيب وجَلست بِعينين نَاعستين، وبَدأ الحديث: التارِيخ، الحَضارات، الأمَم، الِدين! الدِين، كان هذا المَوضوع السيد السَائد. فِي لحظات، ظننتهُ “مونك”، كَاهن، مُبشر! يرتدي البنطال تمويهاً، لا أدري، إلا أنهُ بالغ في الحديث عن مريم “عليها السلام” وكيف أن المسيح قال وتحدث، وكيف أنه قال أعبدوني أنا من دون الخالق! – والعياذ بالله – وطال الحديث كثيراً، كظمت غيظي غصباً وتصنعت الحديث بإبتسامة، لأرى كلامه وأسمع خطابه وأدعوه بشكل مبطن في كلماتي وأطعن في معتقداته بالمنطق، عله يسلم – لكنه أبى، أو ربما هو يتفكَر فِي ذلك الآن !. لم أشعر بالرحلة، إندمجت كثيراً في الحَديث، إلى أن قاطعته المضيفة بوجبة خفيفة، “البيتزا” سألت: ولمَ “بيتزا؟”، أخبرني: “جت لاق” الرحلات الطويلة، والساعة البيولوجية، وكيف أن الجِسم يَشعر كانما مَغصاً إعتراه فِي وقته والنشوِيات تسَاعد عَلى إعَادة المَوازين إلى مَجراها، فكان هذا الأمْر بِمثابة مَوضوع آخر تعَرضنا فيه.

هبَطت الطائِرة، ظهَرت الأشجَار الخضراء المرتفعة، والأغصَان الجَميلة، البُحيرات المُنتشرة، مَراوح الطاقة، اللونُ الأخضَر، أخضَر أخضَر، كل شيءٍ لهُ لونه الحقيقي! لأول مرة أشعُر أنَ عَيني وكأنما هِي بنظام الـ “فل إتش دي”، كاَميرا “كانون”، 50000 bit لا أدرِي، جَميل فَحسب، حَدثتني نفسي: فِي بلادنا أبيَض، أسوَد، بُني، بُني، بُني، بُني، أزرَق مُخضر، أمَا هُنا فجلهَا ألوان PAL نظام تحدِيث ألوَان، رائع !.

هذا ما في جعبتي مما خص هَذا الأمر، مُختصر بَهي، أصَابه بَعض ما أصَابني مِن سِحر بلادهم فصمتْ. ربما أورد صوَراً لاحقاً.

 

تمــــت . . !

لا أدري . . ~


لا أدري . . ~

/
عبدالرحمن دلول

لا أدري . . ~

،
لا أدري . . ~

سَـ تحَلق طَائرتي عِند العَاشرة مَساء اليَوم، لا أعرف بِماذا أشعُر، كَأن قدمايَ سَتخذلاني عند صُعودي للطَائرة، فالمُضي سَيكون بَعيداً وطَويلاً، وأخشَى أنْ أتجَمد فِي مَكاني وأنا أجلسُ عَلى كُرسي الطَائرة. يَقولون أنَ الرحْلة سَتستغرق أربَعة عَشرة سَاعة، لا أعرف إنْ كُنت سَأصبر علىْ تكتكاتِ الساعة وأبقى كما أنَا، أم سَأتحول إلىَ فزاعَة، أقفُ جَامداً عَلى رُوؤسِ سَنابلِ القمحِ حَتى أرهبَ الغِربَان التي سَتجاور في تَحليقها الطائِرة، لا أعلَم حَقاً، أذلك شُعور “الإستِسفَار” كَما يَقولون، أن لا تدرك ما تَشعُر؟، لكنِي خَبرتُه قَبلاً، وقد كَان لعِدة سُويعات، أما أربَعة عَشر! فَلا!!، أشعُر بدفءِ النَشوة كما فيْ فَتى يَافعٍ فِي رَبيعه الخَامس عَشر وهو يوقِع في المربعْ العريضِ على ذلك النَموذجْ، ليصدِروا لهُ أولى بطاقاتهِ الشخصيَة، وَلكن فِي ذَات الوَقت أشعرُ بِإضطراب فِي قَلبي، كَأنه يَرجف ينتفض داخِلي مِن البَرد، ألمْ يَقل العُلماء أنْ الدَاخل الإنسَاني دَافئ، فما باليْ أشعرُ بِالجليدِ قَد نَال مِن أوصَالي، وَكسَى سَاحاتِ قلبِي وسَطح نَافورته ؟!.

خِلال الأيَام القليلَة القادِمة سَأستقبل أولى النسَخ الوراثية المُصغرة خاصَتي!، نعم، تِلك الطِفلة التِي سَتخرج للنُور، لتَجعلني أبَاً، فَجأة!! لا أدرِي؟ كيف سَأعتاد عَلى مناداتيْ بذلكَ، أشعُر بِتوتر تَشوبه الإثارَه وتَكسوه موجَات السَعادة الدَاكنة فِي الوَقتِ ذاتِه، خِلال أيَام قليلةٍ بَعد! هَل سأصبِر، لأنظرَ إلى نَفسي عندما كُنت طفلاً، ولم أكنْ واعياً، كَيف كُنت؟ كيفَ كَان أنَا؟ هَل سَتشبهني أم سَتشبه أمهَا، ألم تحَدد لنَا الطبِيبة اليوم الموعود مِن أغسطُس؟، هَا أنا أنتَظره. هَل سَتكون كَبيرة العَينين، دقيقة الثغرِ، رفيعة القدْ، لا أدري؟ شَعرٌ نَاعم، أنفٌ ذَا أرنَبة صغيْرة تتَجمد فِي البَرد وتَعطسُ كَما القِطط الصَغيرة، هَل سَتكونُ بَكاءة أم هَادئة الإنفِعَال؟ هَل سَتكون مُتطلبة أم قانِعة/ هَل سَيسكتُ بكاءها صَوتُ مَفاتيحي المُتلاطمة؟.

أنَا أدعُو الله أنْ يُيسر ليْ أمرِي الذي جَمع ليْ فِيه بينَ السَفر وإنتِظار تِلك المَولودة، وأتمَنى مِن الله أنْ يُلبسها لبَاس التقوَى والصَلاح والصِحة والعَافية ~ آمين.

لكنِي مَا زِلت لا أدرِي بِما أشعُر !.


الدوحة، أواخر يوليو 2014

وعلى الشاطئ . . ~


.. وعلى الشاطئ …..

 

/

،،

عبدالرحمن دلول

وعلى الشاطئ

،

أكتبُ فرحاً،

يأتي مَوجاً،

يذهب بالفرحِ ويتعكر،

أقبض طِيناً،

أصنعُ تلاً،

وأحثُ رمْلاً داكنُ أصفر،

أجمع صَدفاً،

أبني بَيتاً،

يهدمه المَوج ويتبختر،

أرسم وجهَاً،

يبكيْ ألماً،

جلبَ البحر الموجَ وأهدر،

أجمعُ رملاً،

أبنيْ جبلاً،

أكل الزَبد منه فأصهر،

أجلب صَخراً،

أبني سَداً،

فشل المَوج الساعي ردماً،

،

أكتب حُباً،

يبقى عُمراً،

أكتب عِشقاً،

يحيا دَهراً،

أرسم شَغفاً،

ينطق زَماناً،

يسكن فِي القلب ويتمحور،

لا ينفك وَلا يتحلل،

لا قوة للمَوج ولا عسكر،

سد الإيمَان بما أفعل،

بنيان صَامد لا يقهر.

::

يوليو، 2014

%d مدونون معجبون بهذه: