أرشيف لـ21 يناير, 2015

كنزة صُوف ..


كنزة صُوف ..

عبدالرحمن دلول، Abdalrahman Dalloul

كنزة صُوف !

كنزة صوف ابتاعها،

أخبره البائع بسرها:
أغمض عينيك، لتقم بأعمالها،
ثم ارتديها في هدوء المساء،
تسرقك عبر التاريخ إلى تلك الأنحاء،
أجل !! نحو ثقب أسودٍ يأخذك إلى البعيد،
نحو أمجاد العروبة ووحدتهم وعلومهم،
نحو ساحات الوغى وانتصاراتهم،
نعم !! يخرجك من همٍ أصابك،
ومن كدرٍ أرقك،
من غيظٍ نال مما في قلبك من أوردة،
بحال الأمة المفككة،
وقد أصابك السهدُ تحت ظلال السماء المعتمة،
بأنيابه وسهامه المُسممة،
فبكى سراً من حديثه .. ثم واصل:
ثم تَرنَحتَ مَاشياً …فِي الأسواقِ وفي الأزقة،

ابتسَمَ!

ثم مُستغرباً تمتَم، إلا أنه …
رضي بالوصف منه فابتَاعها،
جاء المساء بغتة،
تذكر أمجاد العروبة، وعنترة،
وسَمِع صهيل الفرسان فتشكلت لديه الفهرسة،
سأرى زيدٌ وسعد، وخالدٌ ومحمدٌ بن مسلمة،
وقتبة وعروة والزبير والحارثة،
سأرى رجالاً أخضعوا الروم قاطبة،
والفرس أرضهم احتووها شاملة،
وألحقوا بكليهما أراضي الديلم الجارحة،
ووحدتهم، قادت الفخر إلى النفوس الخاوية،

ارتدى كنزته،

تَمَلكهُ بِدفئه الصُوف، فابتهج!
وللحظة، زال عنه الكدر والخوف،
اسودت الدنيا وظن سَرِقَتهُ إلى هناك قد بدأت،
أغمض عينيه أكثر، وانتشى،
سَمع طرق الباب وكسره، فقال الآن انتقلت،
حلق في الهواء،
وعجباً! ..
سمع صوت محركٍ يثور في الأجواء!
فاعتراه الوهم لحظة، فقال: مدرك أنا لما في الأرجاء،
غياهب الزمان وأصوات التلاحم والسيوف حين تتضارب،
مألوفة لدي، فلا بأس!!
شعر بالاهتزازات،
فلم يتمالك إلا أن …
فتح عينيه وجفل بعدها …

حبل المشنقة!!

قد تدلى أمامه وهو فوق مصطبة،
يعتلي عليها صناديقا مكعبة،
نظر حوله، إعدام من هذا؟ سأل،
قيل: أنت يا إرهابي يا عديم الشفقة،
تتخابر مع الماضي ضد دولتك القائمة،
أقتلوا الخائن وأردوه في غياهب القبر المظلمة،
خان الولاء والعهد والأفكار والدستور والمملكة…
أودَعُوا رقبَته إلى المشنقة،
وأزَالوا مِن تحته الصناديقَ الأربعة،
شُنق، مُتدلياً، مترنحاً .. منازعاً! تحت ظلال صوتٍ صارخٍ:
لا تفكر، لا تتخيل، لا تحلق بقلمك بعيداً،
فـ السجن كائناً من كنت يصيبك آنفاً!
نازع الروح هباءً،
وارتقت بعدها إلى من كانت الكنزة ستأخذه إليهم،
قد صدق البائع معه البيع،
ولوهلة ظنه قد غشّه البيع!

….
..
.
استيقظ !! مرتعداً، صارخاً:

تباً للأفكار، تباً للقلم،
لا أريد حرية،
ولا أريد أن أكتب!
أهلاً بالذل، أهلاً بالقهر، أهلا بالعار،

لا للثورة .. لا للثورة !.

يناير، 2015

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: