سُقوفٌ ورَقية، وَأمالٌ خَشبِية !.


سُقوفٌ ورَقية، وَأمالٌ خَشبِية !.

عبدالرحمن دلول، Abdalrahman Dalloul

سُقوفٌ ورَقية، وَأمالٌ خَشبِية

كـ

طِفل دخل إلى المنزل مسرعاً جزعاً بعدما أصابته السماء بـ بللٍ من زخاتها! يطبع بلا وعيٍ أثار قدميهِ النحيلتين على سجاد المنزل العجمِي المبتاع حديثاً، وبرتابة، ترتجف شفاهه الصغيرة، وتتلاطم أسنانه البيضاء الناعمة وتصدر صوتاً كـ آلة كاتبة عتيقة، إستخدمت لكتابةِ قصيدة !.

شعر فَور دخوله إلى المنزل بالأمان، وبالدفء المتوهج من تلك المدفئة المركزية التي تتوسط غرفة الجلوس الغالب عليها البياض، والفرو النَاعم، يجلس بقربها وقد تلحف جسده الدقيق نفحاتها، وتبطن بغطاء الأريكة المخملي الأزرق، وذهب في نومٍ عميق!.

“قم أيها الأخرَق الأبلهُ القذر!

قم وأجلب بعض الحطب من أمام مشروعِ البناء المجاور، وقف بعد ذلك عند إشارة المرور وإمسح نوافذ السيارات، سَيتطلب الأمر الكثير من العمل لتجلب لي الخمسة والسبعين ليرة أجرة إقامتك معي في الملجاً، “معتصم” قارب ذلك، وما زلت أنت قابعٌ هنا بالقرب من مشعل الإضاءة، ولم تجمع لي سوى خمسة ليرات، قم هيا أيها الأحمق الكسول!” – وركلهُ في خصرته الصغيرة، فإبتلع الآلم ومضى في طريقه للعمل !.

هكذا هو شتَاء دمشق والزعتري! ناحيةٌ من الفقر، وأعمدة من الدخان، وصباحٌ بلا ألوان! هكذا هي حمصٌ وحلب، وغالبُ مدن الجنوب! لا سقف مرفوعٌ فيها ولا مئذنة، بل عدة بلاطات قد رصت بجانب بعضها في مُنتصف الطريق بغرابة! هي الشاهد الوحيد على أنه كان يوجد فوق هذه الرقعة المبلطة يوماً ما، غرفة جلوس دافئة، تتحولق فيها العائلة، وتَتناول عشاءها بمنتهى السعادة!، إنتدثرت الآن وأصبحت مشتتة، في البقاع ولبنان وأطراف عَمان والزرقاء وربما إربد، في كَسب الخضرَاء، وجنوب أنقرة، وبعض مدن تركيا !.

أما الأمان فهو أغنيةٌ ترقص على أنغامها عرائس الزمان، برداءٍ أسود، وتنبعث من مذياعه موسيقى تجلجل مساكن ألهة الإغريق! حيث تحتفل تحت لحاء الشَجر طرباً، وقد أخرجتها موسيقى الحداد الصاخبة، عنوة من تلك المساكن! لتجدها بعد التمحص والنظر، وهماً لا أصل له في جُنينات البِلاد، وحدائقها المؤثثة بالأشجار المزركشة ببقايا الثلوج المتكتلة، والمفترشة ببساط الحشائش اليانعة، والبحيرات القرمزية الرائعة !.

حلم !! كان في هذه البلدة، منذ زمنٍ ليس بالبعيد، كانت حياة وآذان يرفع، وأشجارٌ وثمارٌ تنيّع، وغيوم تتبعها شمسٌ تسطع، ليس فيها اليوم سوى كساءٌ من دخان، وإختمارُ طعامٍ بالـ دماء، وشرابٌ قاني اللون يهبط من السماء، وعجينة أساسها طينٌ ورمال، وبقايا حفناتٍ من أثار، وكلماتُ رثاءٍ، تجتاح العديد من الأشعار!.

ألالاتٌ تعزف موسيقى حزينة، وهارمونيكا تنبعث منها أطيافاً قتيلة،
فيها قمصانٌ مبللة، وأطراف مرقعة، ونعلٌ مقطعة، وشعورٌ مشعّثة، وخرقاتٌ ممزقة، ودلاءٌ مسرِبة، ومياةٌ بالدماءِ معكرة، وبناطيلٌ بالطين مغرّقة، وبسماتٌ داكنة، وعيونٌ دامعة، وألامٌ موجعة، وجروحٌ ملتهة، وأمالٌ خشبية، بسقوفٍ ورقية !.

[نوفمبر 2014]

Advertisements
  1. سقوف ورقية حفت بأمالها الخشبية حفوف الورق اليابس في دوامة من ريح عاصف..أهي عقيرة تندح بحلم من ورد وياسمين؟ الرغبة بالدفء سيلا عرما تغترف كحيل الوثير وعشق المكان..أي بساطة هذه التي زاوجت فيها البؤس بألطاف أحلام ومرارة تكوين..تنعش الموات بمعشوقة تأرجحت على كف مهتزة..وبعثت من الأمان أمالا فاقت الفواجع في وهم الحقيقة..أهي تعويذة التلوع مصعدا مجاوزا سب الركام..؟ أي يكون الموت متواطئا مع الجلاديين؟بذرته منثورة في كل الأرض الواهمة بصفاء السماء؟؟ وي كأنهم زبانية العدم من يلجئون بواكير أحلامنا..وشهقة السراب؟ أأقعي على ذاتي جزعا وبيغصات لم أزودها!..ما هذا الجمال..نص فاق الروعة….

    إعجاب

      • عبدالرحمن دلول
      • ديسمبر 8th, 2014

      كلماتكِ الجميلة دائماً ما تبرق أكثر وتومض أوفر مما تفعل كلماتي .. فتجتاحها ضياؤكِ . . وتتأخر عن تقدمها حروفي وتعجز عن مجاراتها ّ!.
      دمتِ بخير رولا ..

      إعجاب

  1. No trackbacks yet.

عَبـــر عما قرأتهُ ولا تتردد !.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: