وفي رحلتي أشياء . . ~


وفي رحلتي أشياء

عبدالرحمن دلول

وفي رحلتي أشياء

(1)

جَلست فِي مُقدمة مَقاعد الإنتظار فِي المَطار، حَيث الأجواء المغايرة لطبيعة فصل الصيف بِالداخل، مُتجمدة! شعرت كأنما الجدران ترتجف وتتقارب حُجَراتها مِن بعضها وهي تلتحف غطاءها الأبيض المزركش بالخطوط السَوداء عله يخفف مِن حدة وقسوة البرد، حتى خيّل لي أنها تغني:

“يا ليل الحبيب طوِّل”
“يا برد الشتا حوّل”.

الأجوَاء الخاملة المَلئية بالتثاؤب، “وتشرنق” الأجسَاد بِداخل نفسها وملابسها من التقشعر، تغيير الأكفة إلى اللونِ الأزرقْ، القوَانين وإجرَاءات الأمن المُبالغ فِيها، وفحص الأيادي بشكل هستيري بقماشة بيضاء مَربوطة في نهايات عَصاة بلاستيكية زرقاء في يد مُوظف الأمن، جُلها يربك حتى ولو لم تكن تصحب معك جنحة وأنت تسافر.

أحادِث نفسي برهة، ألا من شخص أحَادثه ويحادثني، عَل كلماتنا ومَواضيعنا تلتقي بلا ميعادْ بقواسِم مشتركةٍ فـ تكشفُ عَنا بَرد عَتباتِ المَطار ومَقاعده البلاستِيكية الزرقَاء الكَئيبة هَذه. لطالمَا سَافرت خِلال مَرحلة دِراستي الجامعية، وكانَ في الطائرة (أطنان) مِن الأشخاص المُحتملين ليكونوا رُفقاء حَديثِ السَفر، أما هنا، فلا أكاد أجد!!.

كادتْ تِلك المُتجاورات تَخنقني، لوْلا لطفُ أنفاسٍ هبتْ مِن “الجوال” وقدْ أورَدت إلى صَدري شيئاً من الدِفء عَبر دَفعاتِ أنفَاس مُتتالية مِن الهَواء والنصُوص التي تدعو لي فيها والدَتي “بِالسلامة”.

فجأة، انبعث (الصوت العنيف ذا الذكرَيات المُربكة) ~ لطالمَا كرهت ذاك الصوت، الصوت الأنثوي المُعتاد الذي يَتبع جَرس التنبيه فِي المَطار – Attention please! – يُرجى الإنتباه، الرَجاء مِن السَادة المسَافرين إلى مَطار هِيثرو، سُرعة التوجه إلى البوابة رَقم (خمسَة) … لولا أنهَا طائرتِي لمَا لبيتُ ذاكَ النِداء، أمقتها بحق! . . حَملت حَقائبي وتوجهتُ إلى خُرطوم المَمر المُفضي إلى الطائِرة – “وشْ رقمَك يا الأخو؟”، C22 مِن هنا لو تكرمت!.

رائع! عِند النَافذة، وبجَانبي مقعَد واحد فقط، كَان ترتِيب الكراسِي عَلى النحُو 2،3،2 حَقاً رَائع، حَسناً، أممم .. مَن سيكون رَفيقي فِي رحلة السِتة سَاعات هَذه، أتمَنى أنْ يكونَ شَخصاً يُجيد الكلام، أو يَكون صاحب حَديث شَيق، يَملأ وقتي بِما يُفيد ويشرَع فِي أفكار أو إضاءات تُنيرني بِطريقة أو بأخرَى.

(2)

فتَاة! شعرٌ مُجعد، فِي عَقدها الثالث/:

كَيف لي أنْ أتبَادل أطرَاف “الحَكي” بِحُرية الآن . . لا حولَ ولا قُوة إلا بالله، وقَفتُ كـ “الفزاعة” أو كصنم فجأة، شككتُ أن أكون صنماً حقاً، حَتى كسرتْ جُمودي نظرةً مني للخلفِ، بشكلٍ يَلفت الإنتِباه!! لا أكترِث! عَلني أرى مَجالاً آخراً، أو مَكان شخصٍ تَعذر عَن القدوم، سَأضحي بِمقعد النافِذة اللعين، لكننَي لنْ أجلسَ طيلة المُدة بجانب تلك الفتاة! وصَامتاً لا أتكلم أيضاً !.

لا شَواغِر، الرُكاب كَأسنان مِشط عَلقت فِيه بَقايا شعرات سوداء مجعدةْ، أتلك عَلامة سيئة، أو حَظ عاثر، تمالكتُ نفسي، وعدت لخط سير ما كنْتُ أفكِر فيه . . الطائِرة مُمتلئة! تبَاً، جَلست ووضعت سَماعات الرأس، وكأرنبٍ لذتُ إلى جُحري وكتفتُ يَداي وصَمَتُ! ليناديني صَوتٌ بداخلي فَجأة، وكأنه يتمرَغ فَوقَ أرضِ خوالجي ضَاحكاً! وماذا إنْ أردت إستخدام الحَمام يَا مِسكين!! حقاً،،، يَا إلهي سِتة سَاعات تقريباً، لا بد أنني سَأحتاج فِيها إلى الحَمام، لا بد! تباً للحَجز، تبَاً للطائِرة، تباً لمِقعد النافِذة.

 

حَلقت الطائرة، وتلحَفت الفتاة بجانبيْ بالغِطاء كـ إحدى شرنَقات المَطار وغَفت فِي نومٍ تحول إلى قيلولة ثم سبات طويل. عَبثاً أحاول تعبِئة وقتي، الشَاشة، الأفلامْ، المُصحف، النافذة القمِيئة، لمْ يُخرجني مِن وَجبة العَبث تِلك إلا بُرودة الطائِرة! ما خطبُ البُرودة مَعي! هَل تعرِفني؟! أم أنها تَحقد عَلي بِسبب تلك الأفكار – أفكاري، يَقولون أن الأفكار تَتصل بِالأجواء، حره وبرده؟ لا أدرِي لكنه يَنهش فِي جسَدي!! لم أحسِن إختيار المَلابس الثقيلة حتى، بدت رحلتي جميلة من بدايتها، وسَاءت الآن، تَباً أخرى أزيدها إلى أخواتها “التبانات” السابقات.

طلبتُ غطاءاً آخراً عَله يَدرء عَني بَعض تلك النسَمات القارصَة، إلا أنهُ عبثاً يَقف أمَام قضمَات البَرد الجَامدة، التي وجَدت مَداخلها وولجَت تحت الغِطاء مِن محاذاتِ المَسند، مِن جَوانب النافذة، مِن خلف مسنَد ظهرِي، لم أحسن أيضاً أمنَعها مِن ذلك. :/

(3)

لمْ أدري كَيف انقضتْ السَاعات، غفوتُ عِدة مَرات، وإستَيقظت فَوق تُركيا وفوقَ ألمَانيا، رأيت الخُضرة والبُحيرات بِصعوبة، فالغيُوم المُنتشرة شكلت عَائقاً مُتعلقاً عَلى أطرافِ العَين وقولَب النَافذة البيضاوِي! وصَلت وجبَتي، لمْ أعطها وقتاً لتستقر على منضدتي حَتى أفرَغتها، غفوت مَرة أخرَى، كُنت أتمنى أن يَكون الطقسُ في “هيثرو” أكثرَ دفئاً.

أيقظتني بعض المَطبات الجَوية عِدة مَرات، أنظر بإتجاه أوكرانيا بلا سابِق نية وقد أصاب ذهني فراغ النائم المُستَيقظ، أحدث نفسي؟ أخشى صَاروخاً غادراً كَذاك، نعم! كالذي أصَاب الطائِرة قَبل أسبوع، عَلنا لا نحلق فَوقها! يا إلهي، ماذا أقول؟ أألطم وجهي لأستيقظ، أم أقرصني من الكتف!؟ تَكفي تِلك المَطبات التي تطرِب أركَان الطائِرة وتضرِبها ككرةٍ مُعلقة بـ قدم لاعِب، لا تنفك عَنه حتى تعود إليه ليركلها من جَديد.

إقتربَت الطائِرة مِن الأرضْ، بَدت مَلامح لندَن تَظهر للعَيان قلِيلاً، طواحين القمْح المُنتشرة في كل مَكان، تلف مَراوحها بِشكل جَميل مُتناسق، وتزِيد الأعشاب وَالأشجار الضخمة الصُورة جَمالاً ورَونقاً، نَسيت أمرَ البُرودة، فلندن آخاذة مِن الأعلى!.

هبطت الطائرة هبوطاً موفقاً، جَفلت بعده لضَخامة مبنى المَطار حِين خرجتُ من الطائِرة، وقد صادق الواقع مقولتِي أن حجمه كبيرْ! فقد تنقلت بين المباني وعبرت أنفاقاً بالحافلة لأصل إلى طائرتي الأخرى التي ستقلني إلى الولايات، أجَل لم تنتهي رحلتي إلى هُنا، بل كانت في بِدايتها، لكنني لمْ أرى خَارج المَطار إلا الضَباب، ثم الضبَاب فحسب!.

(4)

سِحت فِي المَطار قليلاً، هَارولدز، ستاربكسْ، والمقاهي المتعددة بـ أصنَاف الطعَام والشطائر، جَلست على معقدٍ ينتصِف رُدهة الإنتِظار، نَظرت فِي كُل الإتجاهات حَولي، شعبٌ يحبُ التثاؤب، شعبٌ لا يَكترث بِما يرتدي من ملابسْ، رُقعتين مِن قماش، أو رقعَة واحدة تمتد من الأعلى تَكفي، رجالهم مُعظمهم كِبار السِن، أسنَانهم “كرَاكي” مُتفرقة بَارزة، تَكاد تَكون عَلامة دَلاليلة مُميزة عَلى كَون الشخص المَاثل أمامَك (بريطانياً).

لا حُدود لديهِم! يُقبلونَ بعضَهم أمام أطفالِهم بِقبلات لاذِعة للحياءِ تثيرُ القرفْ، تَغرهم أنفسهم، لا يَبتسمون كَثيراً، وما أنْ تطلب مُساعدة مِن أحدهم، يَرد عليك بِأسلوب “جَلف” جَاف “it’s there, read the signs”. طالت مُدة الإنتِظار، وَزادت مَواقف إثارة القرَف التي تتوارد عَلى إطار مشاهدة عَيني وبَصري، فآثرت المشي.

تنقلتُ قليلاً فِي الرُدهة لأجدَ مَمراً طوِيلاً كُتب عَلى لافتة فِي أعلَاه “غُرفة الدِيانات!” تبعتهَا، فقد أثارتْ فُضولي تساؤلاً عما فيها! وما أن وَصلت إليها، إذا بي أجدُ مِنبراً عَليه الأنجيل، ثم عَلى رفٍ جانبي بَدت سُجادات الصَلاة المتجلية وبعض المصَاحف، وهناك مَقاعد كما فِي الجامعة في زاوية أخرى تنتظر خطبة ما! تَفصل بَين هَذه وتِلك سَتائر مُعلقة ومتدلية نحو الأرضْ.

الغُرفة خَالية إلا مِن رجلٍ في الأربعينيات يَقرأ القرآن ويَستغل نَهارَ رمضَان، جَلست هُناك أشاهدهُ بعد قصر وجمع! خيًلت لي رَائحة بخورٍ تَنبعث مِن إحدى زوايا الغرفَة التي أعجِبتني فكرتها حقاً، وأكثر من ذلك، فكرة رَجلٍ مُسلم واحِد هوُ من يشغلها السَاعة. عُدت إلى البَهو ثم المَمر فَالردهة إلى مَمر البَوابات، فالطائِرة.

(5)

رُكاب طَائرة الوِلايات بَشوشي الوجوه، سعيدة، لا تَجعدات فِيها ولا تَكلف بسمة، أريَحية التعامل كانَت السِمة الظاهِرة فِي حَديثي مَع أحدِهم، صَعدت إلى الطائِرة، تَوجهت إلى مِقعدي، الجَميع يَبتسم بِصدق، عَلى الأقل هذا مَا بَدى لي! نَظرت إلى مقعدي من بُعد، أشعُر بنعاسٍ شديد، وَقد كانت بُرودة الطائِرة تزداد كلمَا إتجهتُ نحوَ مؤخِرتها، وددتُ لو أننِي أحتضن قطاً شركسياً أبيضاً ذا فروٍ كثِيف يُدفئني الساعة، وأحاول نِسيان فِكرة كرهي للقِطط هذه اللحْظة على الأقل. إلا أن هذان الأمران (البرد والنعاس) لم يُثنيني عَن ترقب زَميل رِحلتي فِي المِقعد، لا أنكِر أنَ فِكرة مِقعد النافِذة بَات أمراً بَغيضاً بالنسبة لي إلى حدٍ مَا وكدت أنْ أسرِب علىْ لساني شتيمة تلحَقه، إلا أنني تَمالكت نفسِي لأنظر لذاك المُسافر الذي قدرَ لي أنْ أركب بِجانبه قَبلاً في رحلة التسعة سَاعات تلكْ. بَدى كَشخص غَربي إعتِيادي، عَينان مُلونتان وشَعر أشقر مُجعد، إلا أن المَلامح قريبة لأن تكون أوروبية – تركية.

جَلست بِجانبه وأخبَرته أني سأكونُ زميله في المقعد، فـ رَحب بِي كأحسن مَا يَكون الترحِيب وجَلست بِعينين نَاعستين، وبَدأ الحديث: التارِيخ، الحَضارات، الأمَم، الِدين! الدِين، كان هذا المَوضوع السيد السَائد. فِي لحظات، ظننتهُ “مونك”، كَاهن، مُبشر! يرتدي البنطال تمويهاً، لا أدري، إلا أنهُ بالغ في الحديث عن مريم “عليها السلام” وكيف أن المسيح قال وتحدث، وكيف أنه قال أعبدوني أنا من دون الخالق! – والعياذ بالله – وطال الحديث كثيراً، كظمت غيظي غصباً وتصنعت الحديث بإبتسامة، لأرى كلامه وأسمع خطابه وأدعوه بشكل مبطن في كلماتي وأطعن في معتقداته بالمنطق، عله يسلم – لكنه أبى، أو ربما هو يتفكَر فِي ذلك الآن !. لم أشعر بالرحلة، إندمجت كثيراً في الحَديث، إلى أن قاطعته المضيفة بوجبة خفيفة، “البيتزا” سألت: ولمَ “بيتزا؟”، أخبرني: “جت لاق” الرحلات الطويلة، والساعة البيولوجية، وكيف أن الجِسم يَشعر كانما مَغصاً إعتراه فِي وقته والنشوِيات تسَاعد عَلى إعَادة المَوازين إلى مَجراها، فكان هذا الأمْر بِمثابة مَوضوع آخر تعَرضنا فيه.

هبَطت الطائِرة، ظهَرت الأشجَار الخضراء المرتفعة، والأغصَان الجَميلة، البُحيرات المُنتشرة، مَراوح الطاقة، اللونُ الأخضَر، أخضَر أخضَر، كل شيءٍ لهُ لونه الحقيقي! لأول مرة أشعُر أنَ عَيني وكأنما هِي بنظام الـ “فل إتش دي”، كاَميرا “كانون”، 50000 bit لا أدرِي، جَميل فَحسب، حَدثتني نفسي: فِي بلادنا أبيَض، أسوَد، بُني، بُني، بُني، بُني، أزرَق مُخضر، أمَا هُنا فجلهَا ألوان PAL نظام تحدِيث ألوَان، رائع !.

هذا ما في جعبتي مما خص هَذا الأمر، مُختصر بَهي، أصَابه بَعض ما أصَابني مِن سِحر بلادهم فصمتْ. ربما أورد صوَراً لاحقاً.

 

تمــــت . . !

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

عَبـــر عما قرأتهُ ولا تتردد !.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: