الكتابات الشاضوئية ..


الكتابات الشاضوئية ..

عبدالرحمن دلول

الكتّابات الشَاضوئية ..

بقلم عبدالرحمن دلول . .

بدأت الكتابة منذ العصور القديمة لتساعد على استخراج الأفكار من الأذهان على شكل كلمات تثبت أوتادها على أنواع الأوراق المختلفة منذ الأزل، كأوراق الشجر والبردِي، وجلود الحيوانات وغيرها .. ولأنها تتميز بتكرارها للمعلومات بلا كللٍ أو ملل لمن أراد أن يستزيد، فحقت أن تكون من أجدر النشاطات التي عرفها الإنسان للتعلم! فزاد في خبراته لتطويرها واكتشاف سبلاً لما تحتاج في سبيل الإرتقاء بها. فبدأ باكتشاف لحاء الشجر وحاول جاهداً معالجتها وعمل اللازم لها لتصبح جاهزة للكتابة والإستخدام. وبعد عدة قرون، اكتشف الورق الحديث والقلم الحديث ذا الحبر النظيف والكرة المثبته في نهايته، تمر على الحبر وتضعه على الورقة بلا جهد أو تكليف متعب.

ومنذ ذاك الحين ومع مرور الوقت بدأ الإنسان يستخرج أفكاره وأحاسيسه وهواجسه على شكل كلمات متراصة ويجتهد فيها لتصبح أحاسيسه مألوفة ومفهومة ممن يخاطبه أو يشكي له همه من القراء، فبدأ بكتابة الأشعار والقصص الخرافية وقصص المغازي الكثيرة والعبرة المفيدة، تم تطور الأمر فكانت الرواية والأقصوصة والومضة وغيرها من الأدبيات التي تضفي على النصوص نوعاً من القواعد والقوانين، فلا تترك إلا مجالاً ضئيلاً للكاتب في أن يخرج عنها. فأصبح من لديه الخبرة القليلة في الكتابة، يعبر عن مكنوناته وأحاسيسه ويجسدها في شخصيات يَرمز بها إلى ذاته أو إلى ذات من يعاني ممن حوله، ليوضح المعاني ويقرب المواقف ويسدد مبتغاها.

وعندما طفحت الأوراق بالكلمات، وامتلأت المكتبات بالكتب المجلدة، ظهر بعض الكتّاب المتطرفين، اللذين غالوا في التشبيهات والأوصاف، وبرروا ذلك بأن نصوصهم نابعة من القلب وهذا سبب التطرف في المعاني والتصوير، فأدى ذاك الأمر إلى ظهور علم حديث، يُعنى بالنص الأدبي، وأطلقوا عليه إسم “علم النقد”، كان لإبتكار هذا العلم أصداء واسعة في العالم الكتابي، فخشي أحدهم على نصوصه من أن يعبث فيها، وتردد أحدهم أن يُمَكن أحدَ النقاد من نصه لينتقده، فكانت فكرة النقد ترتكز على عدة معايير، منها واقعية النص، أو خياله بحيث لا يتعدى حدود الذهن وتصوره، وألزموه بالقوانين والقواعد التي يجب اتباعها، وقد كان هذا الأمر مقلقاً للكثيرين من الكتّاب، فبدأ بعضهم بالرجوع إلى مبدأه القديم في الكتابة في دفتر يومياته ومذكراته، وأن لا يُخرج ما يكتب للعامة بسبب هذا النقد، الذي كان إيجابياً لمنع التطرف الفاحش، وسلبياً لكبحه إبداعات كادت لتعلوا نجومها في سماء الأدب.

وظل الحال هكذا حتى أيامنا هذه، فظهرت الكتابة الشاضوئية (الشاشة الضوئية) والتي تتلخص نصوصها في صفحات الإنترنت، على أجهزة الحاسب الآلي أو الألواح الذكية أوالبقايا الإلكترونية، ولا تتعدى ذلك لتكون نصاً ورقياً، هنا صارت المسألة صعبة للغاية على الناقدين الأدبيين، فالنصوص أصبحت وفيرة، وإنتقادها أصبح مضيعة للوقت، فلو إنتقد أحدهم عملاً ما لكاتب مبتدئ أو منطلق أو شاسع الإبداع، بكل بساطة يحذفه أو يغير فيه، فيكون الناقد قد أضاع جهده في قراءة ما تم إلغاءه أو تعديله، وليس كمثل الكتب المطبوعة التي لا يستطيع صاحبها سحبها من سوق المكتبات ومعارض الكتب، فيكون لانتقادها معنى، يُجبر الكاتب على التحفظ في إصداراته ومؤلفاته القادمة.

وأما الأجيال الجديدة في تلك الكتابات الشاضوئية، فقد قاموا بالخلط بين قواعد القصة مع الرواية مع الومضة والقصة القصيرة جداً، وضاعت القوانين بين تلك النصوص اليتيمة في مقبرة الإبتذال، وزاد الأمر سوءً، أن كف بعضهم عن شرح التعابير في كتاباته، فبكل بساطة يكتب : جاءغاضب، وبدى سعيد، يبكي! دون أن يشعر القارئ بتلك المشاعر والأحاسيس الحية، وبدأوا بإبتكار الرموز المبتسمة أو الحزينة، وإضافة تلك الأشكال في نهاية الجمل التي حلت في أماكن علامات الترقيم، إلى أن اختصر أحدهم المسافة، وسن سنة جديدة تبعها الكثيرون، فقد رسم الأشكال بل وطورها لتصبح عبارة عن صور وجوه صغيرة تعبر عن شعوره في حين كتابته لتلك الجملة أو تلك ووفر على نفسه عناء الوصف.

فهل ضاعت حقاً قيمة النصوص بسبب ذلك النوع من الكتابات، هل أصبح الإبتذال خليطاً للمشاعر والأحاسيس، وغدت الكلمات تستخدم بعفوية بحتة لا إتقان فيها ولا حرفة، وهل حقاً فقد المتلازمات اللفظية مكانها القديم، فأصبحت بلا معنى في الزمن الحديث، وهل يكون علم النقد محصوراً على الأفلام المصورة، والكتب والروايات العالمية النادرة، هل رفع نقاد الأدب رايات الإستسلام أمام أعداد النصوص المهولة من الكتّاب الجدد، وهل أصبح النقد علامة سيئة وذات وقع مُشين في حق الناقد! الذي يجبره على أن يخرج عن أمانة مهنتهِ ويجامل ويمدح، ويصوب ما من حقه أن يحذف كلياً من كل الصفحات الشاضوئية، هذه الأسئلة باتت هي المسيطرة الآن! فما هو مستقبل الكتابة..

 

 

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

عَبـــر عما قرأتهُ ولا تتردد !.

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: