أرشيف لـ28 مايو, 2014

قصآصآت صفـــرآء.. ~


قصآصــــَــآت صفــــرآء

Abdalrahman Dalloul – عبدالرحمن دلول

(1)

عبدالرحمن دلول Abdalrahman Dalloul

الضجر

لا يَود فِعل شيءٍ هَذا الصَباح،

فأذناه تحاولان الإستماع بعمق لصَوت الضَجر الصَاخِب الذي ملأ أركان جسده النحيل ليجذبه إلى إنحناءاته، كراقصة ترفع يدها وتتمايل برسغها يميناً وشمالاً، ثم تنظر في عينيه من بين أصابعها المتموجة، تحاول إغراءه بكافة الطرق كي تبقيه حاضراً يشاهدها، بعدها تنتهز الفرصة وتطعنه …

… كفـــــــــــى !!

أستغفر الله .. أستغفر الله العظيم ..

صباحكم استغفآر

(2)

عبدالرحمن دلول

الوجل

كُنت ألهُو بِها كَطفل صَغير،

أطلقها فِي جَوِ روُحي بسَعادة، أوجِهُهَا فتطيعُني مَرات، وتعْصِيني فِي بعضِها فتذهب حَيث أرَادت، لكن لا بَأس فهِي فِي يدّي أمسِكها بِقوة كيْ لا تنفلت مِني إلىْ الفضاء، أو إلىْ العَدم إلى حَيث لا أدري، تسْمح للهَواء أنْ يُداعب خُصلاتها فأشعُر بالِغيرة !! فهو يُلامس بَشرتها أكثر مِني؟ إلا انني أملِك أمرَها، فإنْ أردتُ أنْ أحتضِنها، أجرّها إليّ فلا تَردني، وأحِيطها بِكلتا يَدي فتنصَاع لرَغبتي، وَأكحل بِها عَيني عَن قُرب ولنْ يَملك الهَواء أيْ قوة ليَمنعني مِن ذلك، فَهِي لي!! وها أنا أطلقها من جديد إلى أبعد مما فعلت سابقاً، لتعَلم أني أملك أمـ .. ـر رهـ ….،

أ…أ أأذاك إعصارٌ قادم؟

(3)

عبدالرحمن دلول

ألحرب

بَكت وبَكت وحَآكت بدُموعها خرقْة مَأسآتها،

فقدتْ عَزيزها الغَالي فِي تِلك الحَرب اللعِينة، لمْ يكن مِن أمرِه إلا رَغيف الخُبز الذيْ كَان يُحضره إلى قصَي عَادةً، لمْ يَدري أنْ سِعره أصَبح أغلى مِما فِي المَرآت السَابقة!! رُوحه، جَسده وَأنفاسٌ أخرى كَان قد إجتَرحهَا فِي حَق أوكسِجين هَذا العَآلم الخَانق. بِحرقة تُعلق الخرْقة عَلى جِدار التارِيخ المتَصدعْ، عَل عَابراً لهُ ضَمير يَرآها، فِإن أحَداً لا يَعرف قِصتها فِي الجِهة الغَربية حَيث تَسكن أمَهات قصيّ أخرَيات.

لله دُر الأمهآت الثَكآلى، الأرآمل .. والأيتَام فِي تِلك النَواحِي القرِيبة البَعيدة !

(4)

عبدالرحمن دلول

الفرصة

هَل قطِعَت الكهْرَباء أم هُو مَن أغلق الأنور؟..

وهُو يتذكر آخِر لِقاء بَينهما تحتَ عَامود الإنارَة عِند الناصِية، أخبرته حِينها أنهَا لا تستَطيع أن تَعيش مَعه، كانت هَذه أخر جُملة تضْرب طَبلة أذنه مَع رنة سُقوط الخَاتم عَلى الرَصيف الحَجري. هُو الآن يَجلس وَحيداً عَلى الأريكة، والمِذياع يَنفث أكثر المُوسيقى حُزناً!. إستَمع لهَا طِيلة الليل حَتى تخثر جَسَده، وإختمر مِنها!!
قرَر الذهَاب إلى دَورة المياه، أخَذ شفرة الحِلاقة مِن دُولاب المُنظفات، جَلس واقفاً عَلى ركبتيه، جَذب يَده بعُنف نحْو صَدره، وَأغلق كفهُ برِفق!! وَضع الشفرَة عَلى بِداية رِسغه، أغمض عَينيه بقوةٍ، وبَدأ بِقطع شِريان الحَياة إلىَ نهآيتهِ! فتح عَيناً واحدةً تنظر بوجلٍ إلى القطعْ  .. ما هذا؟!
أتلك نوتات موسيقية تخرج من الجرح؟!! …. أين الدمآء؟!

إستيقظ فزعاً عن الأريكة ..!

(5)

عبدالرحمن دلول

الصدمة

لوَهلة، كانَ يَروقه الأسوَد الذي ترتَدِيه،

فعَمها كان العَقبة الوَحِيدة التي تَقف فِي طَريق زَواجِهم، كان يَنظر لهاَ وَهِي غاَرقة في دُموعِها مِن بين رُؤوس الحَاضرين فِي باَحة منزلهم الكبيرَة ويسترِق بعَض النظراتِ الأخرى مِن خلفِ أهدَابهِ الكثيفة الدَامعة. لقد مَنى نفسَهُ كثيراً، فتلكَ بِداية الطرِيق التي كان يُريدها، وَقد كانَ يتخيَل تلك الوُجوة سَعيدة وتقدم له التهَاني بِمناسبة زَواجه، فيُداري ثغرهُ ويبتسمْ!
لمْ يوقف مُناجاته إلا صَوت سُقوطها عَلى الأرض مُفارقةً للحَياة، وعِبارة لا حَول وَلا قوة إلا بالله عَلى ألسُن الحَاضرين، لقد كانتْ تُحبه أكثر مِما كَان يَتخيل.

تَماماً كبقيةِ الحَاضرين، قدَم وَاجب العزاءِ وانصَرف!.

(6)

عبدالرحمن دلول

القوة

أقفلتْ سَماعة الهَاتف بشِدة كَادت تكسِره،

أخبَرها أنْ الحَياة لا بُد وأن تمضِي بهمَا مَعاً أو مُفترقين! لازَمتها تِلك الجُملة حَتى مَسَاء ذلك اليَوم، تُحلل فِي حُروفِها ومَعانِيها وَلا تَخرجُ إلا بنتِيجة واحِدة، الفرَاق!
جَلس عَلى المِقعد الأول فِي قاعةِ الدِراسة عَلى غير عَادة جُلوسه مَعها عَلى الأخِير، بَينما جَلست هِي مُواجهةً لهُ، تَرمقه بِنظراتٍ حَارقة تَخترق ضُلوعه وَقلبه وَتصِل إلىْ أورِدته قَبل عَينيه اللامِعتين. تظاهَر بِعدم الإكتِراث وَأخذ يَبتسم وهُو يُحادث “سُعاد” بِجانبه، يَشعر بَنشوة القوَة كَونه الرَجل. تحَاملت حِقدها بِثبات مفتَعلْ وَتوجهت إليْهمَا، وانحَنت بإتجَاهه وألقت عَليه تِلك الوَرقة الصَفراء ثمَ نظرَت شزَراً ومَضت، فتحَها وقرأ فيها!! احمَرت وجنَتيه غضَباً وخَوفاً مُناجِياً نَفسهُ:
“تباً لضَعفِكن حِين يَقتل!”

(7)

عبدالرحمن دلول

ضعـــة

مَرت سَنة عَلى زواجِها مِن عَمّار،

لطَالما كانَ خالدٌ هُو الرَجل الأوَل فِي حَياتها طِيلة ثلاثة سَنوات مَليئة بالعُهود والمَواثيق المُغلظة، إلا أن رَغبة أمها بِزواجها مِن طبِيب غَني كَانت أطوَل، فقَد زَارهُم فِي نِيسان المَاضي هُو ووالدتهُ ليطلبُوها، ورُبما تَمنعت قليلاً وَفاءً لِخالد، إلا أنْ مُلاحظتها لإنكبابِ بَنات الجِيران مِن شرُفآت مَنازلهم ليروا ذلك الخاطِب الفُرصة، لمْ يكن ليَجعلها تتصَرف إلا كَالمراهقات بِالتمسُك بما هُو مَطلوب، ليسَ رغبَة فِيه بَل بسَبب رَغبة الآخرين بِه.
ثَارت بِداخلها سَعادة التملك وَالنصر بَعد أنْ حَظيت بِه، فلم تَكن حَياتها مَعه إلا رَغداً أنسَاها خَالد الذي ظل يُناجي نَفسه ليْلاً ويُخاطب بقهرٍ سَقف غرفَته وحِيداً:

لا حُب يَعلو فوقَ صَوت المصْلحَة!

(8)

عبدالرحمن دلول

النصيب

مَضى عَلى تقديمهِ لتِلك الوَظيفة سَنتين،

يَئس بَعدها مِن جَميع مَا حققه، شِهادته الجَامِعية ودِراستهِ فيهَا لسِتة سَنوات طويلَة، المَشاريعُ والوَاجبات والتدريبَات المَيدانِية والعُروض التقديمِية التي أرْهقت تَفكيرهُ ووقتَه، وبَعد هَذا كُله لمْ يحصل عَلى الوَظيفة التي لطالمَا حَلمَ بها.

كَان يَجلس عَادة عَلى الإنترنِت فِي كلِ صَبيحةٍ تُوافق جُلوس مُوظفي الموَارد البَشرية عَلى مَكاتبهم، يَبعثُ بسِيرته الذَتية، وفِي بَعض المَرات يَخرجُ مُبكراً لا ليُسلمها باليد إليْهم فحَسْب، بل لظنِه يُقابل مُديراً مَا يطلبه فِي قسمهِ، أو شَخصاً لرُبما قدرهُ الله لهُ ليقابله فِي إحدَى ممَرات المُستشفى ويَدله عَلى الخيْر.

يَعمل الآنْ فِي كبرَى المُستشفيات فِي الدوُلة بَواباً، وقدْ عَلق بِروازاً فِيه شِهادته الجَامعية على الجِدار الحَديدي فِي غُرفته التي تهتَز طَرباً كُلما مَرت سَيارة الطبِيب مُعتَز مِن أمامها، ذاكَ الذي تَخرج قبْل عِدة أسَابيع فقط مِن الجَامعة.

ويُوقِف شَتيمة تَكاد أنْ تنزلق يَومِياً عَن لسَانه ببَسمَةٍ !.

ويتسَائل في نفسهِ .. أوآسِطة أم نَصِيب؟!

(9)

عبدالرحمن دلول

الأدب

وتِلكَ هِي أخلاقُ المَشرقّي الحَميْدة.

هَكذا أنْهَى رِوايته الأدَبية التِي بَدأ تَسطيرهَا مُنذ عامينْ مُتمنياً عَالمِيتها، ليَنشر للعَالم مَن هِي أمَته وحَضارتهَا التْي غَطت عَلى جَميع الحَضارات فِي زمنٍ مَا، ولمْ ينسَ توجِيه كَلمة كَذلك لأبنَاء جِلدته، يَدعوهم للرُجوع والتَحلي بِالصفات الحَسنة التِي يَدعو لهَا دينهمُ الحَميد مشبعاً الرِواية منْها.

قدم رِوايته فِي عِدة مَحافل دَولية لتَحصل عَلى جَائِزة مَا، ليُوسع بَعدهَا نِطاق النَشر، ويُرشد الجَاهل بِأمتهِ وحَقيقة تِلك الشُعوب المُتوسطة للعَالم. نَالت إعجَاب المَسؤوليْن وأصحَاب دُور النشرِ المَحليين، إلا أن مُختصي النَشر العَالمي، أصْحَاب الكلمةِ الأخِيرة لإعتِبار رِواية عَالمية أمْ لا، رَفضوهَا قَطعاً، وألقت مُفوضتهم بالنسْخة الأوَلية الوَحيدة خَارج مَكتب المُوافقات.

وضَعَ كَفيْه عَلى وَجهِه، يَنظر مِن بَين أصَابعه بِحسْرة إلىْ الأورَاق المُتفرقة وقدْ تَسرب بَعضُها مِن نَواجد مِلقط التثبيتْ، فِي ذات الوَقت الذي دَخلت فِيه تلك الشقرَاء الثلاثِينية، التي مَكثت بِكتابة رِوايتها عِدة أسَابيعْ، قدَمتها للمُفوضة التْي وَافقت عَلى عَالميتها بِمجرد النظرِ إلى العنوَان، إسْتمع إلى عِبارة المُوافقة فإنتصَب، ونَظر إلى البَاب وقد خرج مِنه أحَدهم:
مَاذا فِي الرواية؟ أجَابه: لم تُشاهدها المُفوضة بَل قرأتْ عِنوانها. فتسَائل بِعجَب! ومَا هو، أجابه:

مدينة الرذيلة !.

(10)

عبدالرحمن دلول

الصبر !.

فِي مُنتصفِ الحَشد يَترنح يَمينَاً وشمَالاً،

يُحاول جَاهداً تَجَاهل الأمْر لِيتدارك نِزاعاً كَادت نَارهُ لتشبُ بَين أقدامِ المُجاورين لهُ وأجسَادهم، إجلالاً لقُدسية المَكان! يَدفعه أحَدهم إلى الأمَام بِشبه عَمد!! ويَتلقفه أخر مِن الخلف ليُزيح كتِفه إلى الآخَر، ثم تَأتي عِبارة “وَخّر” وَدفعة تلِيها مِن جَانبه الأيسَر، فَينصَاع غَصباً رغبةً لإكمَال مَا جَاء فِي طلبه، لا يُريد إفسَاده بشتِيمة أو كشرة حَاجبين فينالهُ إثم الجِدال، يزيد مِن الأمر سوءً، رَجلٌ يُحاول إلتِقاط صُورة لهُ بِمحاذاتِها فيَوقف تَقدم النَاس المتزاحمينْ بِلا مُبالاه.

أخِيراً، يَأتيه رَجلٌ مِن أمَامهِ يكبر حَجمهُ أضعَافاً، يَمشي عَرضاً بكلماتٍ أعجمية، ليَخرجَ مِن دَائرة التدَافع، بِالتدافع !، فيُخرجه مَعه!

يَدخلهاَ مَرة أخرَى بِصعوبة وهُو يُجادل خَاطره: لا حَول ولا قوة إلا بالله! لا حَول ولا قوة إلا بالله !.

يَخرج منْ الدَائرة يدعو أنْ يَناله أجرَ “المَشقة” والصَبر!.
نَسيّ الدعاءَ لأجرِ العُمرة !!

(11)

عبدالرحمن دلول

الرياء !.

يَصرخ نَاصِحاً حَشداً مِن الناسِ:

أليسَ مِنكم رَجلٌ رَشيد؟ القنوَات الفضَائية التي تُبيح المَحظور وَتعلم أبنَاءنا عَلى المُخل المَمنوع، لا تُراعي حَق أعمَارهم متناسِيين مَقولة “النقشِ عَلى الحَجر!”، إجْتنبوا الطاغُوت وَكبائر المَآثم، فلربَما تكون هِي الفتنة التيَ تدخل على البيوتْ !.

ثم فِي أبناءهِ صَارخاً مُهدداً: لا تفتحوُا عَلى قناةِ كيت! وَكيت! وإلا وَرب الكعْبة لأكسِرن رُؤوسكم وفوقها تِلفازكم !! ولزوجه: هَؤلاء لا يَستحون، ولا يَحلو لهُم بَث المسَلسلات الهَابطة إلا فِي رمَضان، وَيختارونَ أوقاتها بِعناية، وَقت الصلاة! ثم لأبناَءه: إلزَموا كلامِي وإلا سَتتطاير الرُؤوس!

ثم يَأتي بَين أقرانهِ وزمَلاءه فِي العَمل مٌشدداً: هَذا رَمضان أتى، وفِي غَيره أيْضاً، يَجب أنْ نأخذ مَأخذاً مِن هَذا المُباح الحَرام، لا بُد وأن نَقوم بِحملة أو دَعوة تُصلحُ ذواتِ مَن حَولنا .. حَولنا .. حَولنا !!

وفِي مَجلسه مَع شَباب السَمر: يَا أبا عَوض، أعَطنيْ “الرِيموت”، المُسلسل عَلى القناةِ الأولىَ أم الرابِعة؟!

ومُكبرات صَوت المسْجد المُقابل:

“صَلاة التراويح، إسْتووا !”.

(12)

عبدالرحمن دلول

التواتر

دَمعت عَينَاهُ ألمَاً عَلى تِلك الذِكرَى،

ففِي هَذا الَمَكان تمَاماً حَيثُ يَقف – بِبذلته وفيونكَته الأنِيقة – تَحت شجَرة “السِت-المِستحِية”، كَان يَجلسُ وَالده عَلى كُرسِي الحَديقة الطوِيل وَيَنظر بِاتجاه عَيني وَلده بِفخرٍ أبَوي، وقدْ كان مُستنداً عَلى رِجليهِ وَهو يَنظر إلىْ والدَه عَلى أنهُ بَطله المِغوار، سَمعهُ يَهمِس مُناجياً: “سَتكبر غَداً وَتلهيك شرُوطك الخَاصة ومَسؤولياتك الحَياتية، وَتنسى أمرَ هَذه الشجَرة وَهذا الكرسِي وَأنا”.

فَرد مُتناسياً أنْ كلام وَالدهُ كانَ مُجرد نَجوى: “لا يا أبتِ، سَأظل مَعك إلى الأبَد، لا أترُكك ولا أنسَاك”، فقال مُبتسماً: “بالطبعِ بُني” !.

واليوَم! ها هُو يَجر خَلفه أبنَاءهُ الثلاثة بَعد مُرورِ خَمس سَنواتٍ عَلى وَفاة والدهُ، الذي لمْ يَره مُنذ مَا يَزيد عَنها بِعشرة، ولمْ يَحضر دَفنه حَتى بِسبب انشِغالهُ فِي تِجارتِه، يَنظر لأبناءِه مِن خَلف رُموشه – التي بَلها دَمعهُ – مُناجياً نَفسه:

“سَتكبرونَ غَداً وَتلهيكم ….” !.

(13)

عبدالرحمن دلول

الهَباء ..

 ذاهِبٌ فِي طَريقهِ إلىْ صَالة السِينِما،

فَهَذا مَا يَفعلهُ عَادةً إذا مَا أصَابه المَلل فِي أيْام نِهاية الأسبُوع، أو بَعد دَوامِه الطَويل، حِفاظاً عَلى الوَقتِ! بَدلاً مِن إضَاعتِه بالانتِقال غَير المُجدِي عَبر قَنواتِ التِلفاز.. يَركبُ سَيارتَه التِي تَصدح مِنها أغُنيةٌ أجنَبية صَاخبة فِي بَعضِ جُملهَا يُذكر “الوَقت”، إلا أنهُ لا يُدرك مِنها إلا اللحنُ والدَندَنة.

يَترجَل مِن سَيارتِه ويُقابل زُجاجَها ليَزيد مِن رَتابةِ مَلابِسه وَقياس زَوايَا هِندَامه، فَهِي مُهمةٌ فِي تِلك المَمَراتِ الطوُيلة التْي تُفضِي إلى الصَالة، فَغالبَاً مَا يَصدُف مُرورَ حَسناءٍ تَسيرُ بالاتِجاهِ المُعاكس، لا يَعلم حَقاً لمَ يَتجَمل فِي تلك اللحْظة وَلمَ يَكون مَرامهُ إعْجَابها! لكن ذلك يُشعِره بالرِضَى عَن نَفسه.

يَقف فِي طَابورِ الإنتِظار مُتأففاً، وَما أنْ يَحين دَورهُ، يَطلب رُؤية فِيلم لا يَدري مَا عنوَانه، فَقط يُشير إلى “المُلصق” الذي يَتضمن إسْم الفيْلم فِي الخلفْ: ” اييْي، ذاك !! “، “صُن الوَقت! فلن تَعيش إلى الأبَد”. يَخرجُ بَعدها مُتأثراً بقِصته، ثمَ يُحادثُ نَفسه، إلى أيْن كنتُ أوَد الذهاب؟

آه نَعم .. إلى المَقهى !!.

(14)

عبدالرحمن دلول

الفقد !

تَبكي عَلى سَريرِها بِوضعِية الجَنيْن،

تَلتحِف الدُموع بِعيُونها وتُدثِرها مِن بَرد المَساء، بِشهقاتٍ تَقطع صُمود الحَديد وتُربك مَلامِحه، تُخرجَه عَن طَوره الصَلب الصَم إلى العَويل مِمَا يَرى، فَقد كَانت تِلك المَرة الأخِيرَة التِي رَأت وَالدتها وهِي تَقف بِالقرب مِن دَكة بَائع الطمَاطم قَبل أنْ تقصِفها طَائراتُ جَيش الإحتِلال، تَاركةً إيَاها لتضمَحِل جَسداً ورُوحاً فِي هَذه الحَياةِ وحدَها.

لمْ يَكن لهَا إلا هِي! تُداعبها وتُواسِيها مُنذ فَقدت والدَها قَبل عَامَين، والآنْ! ليسَ لهَا إلا حُضن وسَادتِها والقلِيل مِن المُؤاساةِ التِي بَدأت مُنذ بِداية مِحنتها، والتِي سُرعَان مَا سَتختفي بِمجَرد مُرور عِدة أيَام عَليها.

يكاد لسَانها يُجزم أنَ دُموعهَا التِي تَتسَرب بِداخِل فَمها فَقدتْ طَعمها المَالح، وبَاتت بِطعم الدِماءْ !.

(15)

عبدالرحمن دلول، Abdalrahman Dalloul

البَحة !.

بحَ صوتها تماماً وهي تقنعهُ بأن لا يتركها،

كما شخصٌ يقف مُتحدثاً عَبر الهَاتف بِمحاذاة مِصعدٍ، مبرطماً يَنتظر وَسيلةَ فُراقِه لتصِل، فلما وَصلته إستقلها، ليَنغلق بِدوره البَاب بإنسجامٍ مُحكم، فيَخفت صَوته، وتَخبو حَرارة نَبرتِه، فَيتوحد جَسدهُ الفاني مَع تلك الكَابينة الفُولاذية المُكعبة، وفِي كل مَسافة يَقطعها بالمصعَد نُزولاً، يُخيل إليها كأنماهُ قد غَرق والكابينة، ووصَلا إلى أعمَاق بَحر الفُراق، فلا صَوته يُسمع، وَلا وجدَانه يُرى !.
أراد مُغادرتها، لتعِيش قهراً فِي حَيز البُعد، ويلحق بِها نَعت الـ”مُفَارَقَة” إلى الأبد،  لكنهَا تَداركت الأمرْ، وتَناست ثُقل المَوقف، وقبلَ أنْ تُغادرهَا عَيناه، بِعفوية بَحتة، قالت لهُ بِتلك البَحة: أحُبك! فإنتشَى مِن بَحتها، وإنبعَثت فِيه الحَياة مِن جَديد، وتلقائياَ قَال: وأنا! فَخرج مِن أعمَاق الفُراق جَسده الفَاني، وتحولَ ذَاك المُكعب الفُولاذي الصَلد، لمُخملٌ خَمريٍ قَاني، ليَكون عَرش زواجِهما فِيما بَعد ! ..
رُغم سُقم المَلفظ،
خرجتْ شَافيةً لـ عِلة فُراق الرُوح، بِذات الصوتِ المَبحُوح  !.

(16)

عبدالرحمن دلول

السحر !.

لمْ تَستطع الزَواج بِه بَل تَزوج غيرَها،

فَقامت بِإحضَار مَا ظنتهُ مِن أثرِه وتوَجهت إلى “حَيكخوم” السَاحر، صَاحب غُرفة الزاوِية فِي زُقاق البَيادر القدِيم، فِي تلك القريَة البَعيدة عَن أضوَاء المَدينة، أسلمَته فِي يَده – “المُشعرَة ذاتِ الأظافِر الطوِيلة القذِرة” – صُورته وبَعضَ أوراقٍ كَان قَد تلمّسها، مَا هِي إلا أيَام حَتى دَبَ الخطبُ بَينهُ وبَين زَوجَته، يَشك فِي خِيانتها لهُ وهيَ بينَ يديهِ، يُوسوس لهُ الشَيطان مَا أحقُ لهُ أن يُكذبه، فيَطعن فِي زَوجته.

لم يُعالجهُ أحدْ، وأخفَت أسرَته أمرَه حَتى إستَفحل، وعَلم أهلُ الزوجَة بِذلك، فَأخذوهَا إليهِم، وَظنوا أنْ مَا به قَد إختَفى، لكنْ ظنُهم كَان خَاطئاً، فثارَت وسَاوِسه وأخذوُها، ثمَ رَجع إلى طَبيعتهِ، فإرتَجعها، ثمَ عَاد سِيرتهُ الأولى، أخبَر أهلُهَا أهَله أن يُعالجوه وأن يَأخذوه إلى شيخٍ أو مُخرج جِن، أو مُفرغ مَس، ذهَبوا بِه، لكنهُم لم يُواصلوا العِلاج دَرءً للفَضيحَة، فإدعَوا لأهلِها شِفاءه. هُم على تلك الحَالة مُنذ زمَن.

فهَل شُفي غَليل الفَتاة بِما أفسَدت، وهَل عَلمت أنَ عِلاقتهُ بِزوجتهِ قد أصبَحت عَلى صَفيحٍ مَهزوز لا يَزيد عَن كونِه وَرقة خرِيف، لربَما تسقُط فِي أيةِ لحظَة.

مَن المَظلومُ وكم سُحقاً نَحتاج هُنا ؟!.

رولا عبدالرؤوف: قدرتك على تلخيص إحداثيات قصتك بأساليب تشويقية حقا، بدأت في الفتاة العاشقة للمأفون المتزوج..من فيهما المسكين في الآخر؟؟هي من ظنت أن الربح السريع، في حرية اختيار الوسيلة وإن كانت تضر بالنهاية بالحبيب ذاته..أهو الساحر الشخصية البشعة بتراكيب وصفية قوية..أم هي الفكرة ذاتها..أم مكوثه في بقعة ما..قد أدرجت خطأ على حافة الهاوية..؟؟البشاعة التي وصل إليها الزوج في طرائق معاملته لزوجته كزوجة وكركن أساسي في حياته..وهي في النهاية ضحية وكلاهما ضحية..والأمرُّ في الأمر هي الرغبة بحل ما آل إليه أمرها من أسرتها البعيدة في المنظور والمحسوس وقد جردت نفسها من أي تبعية في الواقع.والذي تعمد ت فيه ككاتب أن تلج إلى التفكك الإجتماعي ولو بنظرة معتمة من الشرفة الموصدة ..في النهاية توضح أن جميعهم ضحايا..الفتاة بحمقها ولؤمها واستباحتها التلاعب بحياة الآخرين وفق رغبتها.والحبيب باستسلامه وتعمد ترصده لضحية أخرى يوقع عليها ظلمه..والزوجة التي ما حاولت أن تصنع لذاتها على الأقل حلا..والأهل في الواقع ضحية لأنهم مستسلمون.والساحر في البداية والنهاية هو ضحية شروره وعتمة حياته..قصتك أيها الكاتب الفذ الدلول واقع ملموس استطعت أن تضع يدك على الجرح بعمق ورهي…

…. يتبع ….

سرآبيل الأرض ~


سرآبيل الأرضْ – البوق الأخرس

بسم الله الرحمن الرحيم

|قصــــة قصــــيرة|

سرآبيل الأرضْ – البوق الأخرس

* عبدالرحمن دلول

عبدالرحمن دلول

عبدالرحمن دلول

 

تحكي القصة عن رجل سكن في قرية ريفية قديمة تقع على الحدود الشمالية للصحراء، وقد كان الأعداء يقبعون خلفها ينتظرون الفرصة السانحة ليدخلوا إلى الدولة عن طريقها، هيئ نفسه ليهاجم تقدمهم ودخولهم إلى البلاد، وكان يصحبه في تلك المهمة التي أوكلها إلى نفسه، صديقه، الذي ظل مقتنعاً بكلماته وما يقوله في مجالس أهل القرية عن دخولهم في الفترات القليلة القادمة. القصة تحتوي على أفكار وعناصر رمزية لوقائع حدثت بالفعل في زمن معين في مكان مآ على وجه هذه البسيطة.

للتحميل ” هنا

مُعادلة وهْم الحُرية


مُعادلة وهْم الحُرية

  • عبدالرحمن دلول

 

عبدالرحمن دلول

وهم الحرية

مآذا؟!!

لا حُرية فِي البقاع؟!

ولا فِي نِيل الفُرات؟!

ولا فِي العَاصي ولا بِجوار بِنغازيْ؟!

مَاذا فعَلنا فِي السَنتين؟

قتلىْ وجَرحى فِي العَامين،

ثم أضْحى قائدُ الثورَة، خبيْث!!

غَمس أدْمغتنا فِي كذِب!!

تباً لِي ولسَذاجتي !! ..

تَعال يَا ذِئب، تخابث مَعي أكثر ..

وكثر العُزَال مِن حَولي،

أضحِكهم عَلّي، أكثر مِن أقاويلهم فِي ذمِي،

أنَا طَيب القلبِ ولا أرَاعي هَمِي،

بل هَمَهم!!

أم أقوُل،

لا أريدُ شيئاً مِن أحَد،

أريدُ أنْ أنسى، أنْ أنام، ولا أصْحو إلا عَلى ..

صَوتُ دِيك الحُرية حين يُنادي،

قُم وغَذي أذنيك وَجبتين مِن دسَم،

قُطن فِي احدَاهما وأخرى ..

مِن سَمنٍ ..

وعسَل.

 

مايو 2014

Abdalrahman Dalloul

سرآبيل السماء ~


سرآبيل السماء ..

* عبدالرحمن دلول

 

عبدالرحمن دلول

طيران 1967

فِي وَقت سَحَرٍ عَصفه مِن ..

زمْهَرير،

أرعَدَت أصْوَات بَرقٍ،

بلا غُيوم

أو نَذير،

في سَمَاء،

أضحَت مَرتعاً

لغِربان السِنين..

حَلقوا،

فوق قاهِرة العَدو …

في زمَن قريْب..

وفوق بقاع مِن الأرضِ

وبُستان زَهير،

وعَلى إرتِفاع

نال مِما تحْته جَبل كبير،

كَانت وَكسة،

بل نَكسة لامَست حَتى

الصَغير،

في ليْلة،

لا صَحوة نهَضت بهِم …

ولا ضَمِير،

سِتة أياَم بَعدها،

قِمة لاءَات الخُرطوم …

تَسِير،

ثم الخِناق

بلا وفَاق ..

إلا عَلى فُتات وقِطمير،

ثم العِتاق والنفاق والعِناق …

أضحَى السَبيل،

غَرّد بعَدها صَوت الطيُور،

هَزيلٌ حَزين،

لا شَجن فِيه ولا جَمال،

إلا البُكاء والعَويل،

وصَمتٌ لازم الأرجَاء،

كَما يَلتزم المَريض

السَرير..

Abdalrahman Dalloul

مايو 2014

رنين ومكالمـــة ~


رنين ومكالمـــة ~

عبدالرحمن دلول

عبدالرحمن دلول

رنين ومكالمة ~

ألـوْ .. مَرحَباً ..

مَاذا !! الغَـرَ …. ظلمة البَحْـــر؟

لا، لا تُخيفني.

والبَحر؟

لا،

لا، يخيفني …

بالرُغم مِن أنه قد فَارَق قانــون الطبيعة فِي الأعمَار،

وأنَ طبْعهُ مُذ خلق ..

لا يَشيـــخ،

إلا أننِي لا أهَابـــه!

مَا آهَاب؟

أخبِركِ،

بُحيرة أخَذت فِي وَجهك الحَســــن مَكاناً جُغرافياً للأنظار ..

أجيد السباحة؟

أجل ..

عَيناكِ؟

لا، لا أسْتطيــــع الخَوض فِيهما ..

لِما؟

آآآ، أنَا أخَاف مِـــن ..

الغَرق ~

 

Abdalrahman Dalloul

مايو 2014

لا خطوط في طريق السقوط !!


عبدالرحمن دلول

لا خطوط في طريق السقوط ~

بقلم .. عبدالرحمن دلول

 

أنظر إلى خطوط الشارع البيضاء بهيام!!

تتكرر بإستمرار يرعبني وهي تسير عكسي ..

هل يعني التكرار أننا إقتربنا؟

أم أننا لا زلنا نسير؟

يآ إلهي ؟!!

أين ذهبت الخطوط؟

لمَ أظلمت الدنيا؟

هل نحن في نفق؟ أ

يها السائق أين …؟

لماذا يصرخون، كل ما أريده هي تلك الخطوط!!

ما كل هذه الضوضاء والإهتزازات؟

ا

نحن نسقط من أعلى الجبل أيها الأحمق،

لا خطوط في طريق السقوط!!

ا

إذا فالخطوط ترشدنا نحو الطريق المستقيم؟!

ا

كف عن التساؤل يا أحمق…

ا

ما دخلي أنا، تباً للسائق الغبي، هو من أوقعنا عن الجبل!!

ومن أنت لتنعتني بالأحمق؟

ا

أنا السائق الغبــي .. الغـبـ … الغـ… الـ…

ا

….آآه .. آآآآه … ….ـت “الغطـاء” من قبضتك ..؟!

هَلا تركت الغطاء من قبضتك ؟

حسـ حسناً حبيبتي، بالطبع! …

ا

يا له من حلم مخيف .. أعوذ بالله ..

أعـــوذ باللــه ..

أعوذ بالله ..

ا

نوماً هنيئاً عزيزتي *_*..

 

Abdalrahman Dalloul

مايو 2014

%d مدونون معجبون بهذه: